الأربعين، ومنذ ذلك اليوم لم يعد يقول شيئًا، ولم يعد يتحدث إلا جملة واحدة يكرّرها، كأن الزمن توقف عندها، كل من يقترب منه يسمع الجملة نفسها، كأن ذاكرته لم تعد تعرف طريقًا غيرها....
كان صديقنا يعيش على إيقاع نشرة الثامنة للأنباء كأنها ساعة كونية لا تخطئ أبدا، ينتظرها كل مساء بترقّب من يتهيأ لطقس مقدّس، ثم يجلس أمام الشاشة كأنها مصدره الوحيد لفهم العالم، يفتح أذنه لتدخل إليه الأخبار كأنها أقدار مرتبة مسبقًا، فتتشكل عنده الأسعار والأحداث والقرارات وحتى مزاج الأيام من كلمات المذيع. حتى أنه صرخ في أطفاله أن يصمتوا، ويأمر زوجته بكفّ أي نشاط حتى يواصل متابعة الأخبار، كان هكذا دأبه كل يوم.. حتى أنّ مواقفه وقناعاته تكونت على ضوء تلك الساعة، كأن الثامنة لحظة توليد للحقيقة كل مساء.
منذ كورونا أصبح صديقنا يشتغل بحاسوبه من المنزل، وتقلّصت خطواته خارج البيت حتى صار العالم كله يمرّ من شاشته الصغيرة.. ومع السنوات، أوكلت إليه زوجته مهمة شراء لوازم البيت في ساعات الصباح الأولى، فصارت تلك الساعات تفتح له بابًا صغيرًا نحو السوق، فيخرج كموظف مكلف بمهمة وطنية خفيفة، يحمل قائمة قصيرة ويعود وكأنه أنهى تقريرًا عن واقع الأسعار وحالة العالم في آن.
يدخل صديقنا السوق كل صباح، وهو يحمل عادة قديمة في داخله، عادة الثقة في ما تراه عينه دون وسطاء. يمر بين الباعة ويلتقط الأسعار كما يلتقط شخص إشارات طريق يعرفها منذ زمن، لكن شيئًا ما في هذا الصباح يختلف عن أي صباح سابق. الأرقام ترتفع أمامه بطريقة تبدو بلا استئذان، وكأنها خرجت من نظام آخر لا يشبه ما اعتاده في نشرة الأنباء، فيتوقف أكثر من مرة، يقترب، يعيد النظر، ثم يواصل السير وقد بدأ داخله ارتباك صغير يتسع دون أن يعلن نفسه كاملًا.
يجلس أمام التلفاز في المساء كمن يبحث عن تفسير خارج تجربته اليومية. تقدم الشاشة عالمًا مرتبًا، أرقامًا هادئة، لغة واثقة تتحدث عن الاستقرار وعن حركة محسوبة في الأسعار، وكأن ما عاشه في السوق مجرد تفصيل لا يستحق الانتباه. وبين السوق والشاشة تتشكل مسافة ضوئية في شكل العالم نفسه، كأن كل منهما يروي حياة لا تعرف الأخرى.
يتكرر المشهد مع الأيام بنفس الإيقاع تقريبًا، فالسوق يقدّم واقعًا متغيرًا في كل زيارة، والتلفاز يعرض واقعًا ثابتًا في كل مساء. فيبدأ صديقنا في تعديل طريقته في النظر، يذهب إلى السوق بعين حائرة ويعود إلى البيت محمّلًا بالمشتريات، وبأسئلة تتراكم بصمت، لكنه ينكر في كل مرّة، ثم شيئًا فشيئًا يبدأ يربط التفاصيل الصغيرة ببعضها كأن بينها خيطًا خفيًا لا يراه غيره، فيتأمل نظرات الباعة، وطريقة قول الأسعار، وكأنها إشارات متفرقة لشيء أكبر يُدار بعيدًا عنه..
في أحد المساءات يعود إلى البيت بإحساس مختلف، لا يشبه الغضب ولا يشبه الدهشة، ويجلس للحظة دون أن يفتح التلفاز، وكأن المسافة بينه وبين الصورة تحتاج إلى وقت إضافي. ثم اتجه إلى المرآة كما يتجه شخص إلى آخر مرجع متبقي، وقف طويلًا أمام انعكاسه، وترك لعينيه مهمة لم تعُد بسيطة، مهمة فهم ما إذا كان العالم يُرى كما هو، أم كما يُعاد ترتيبه في كل مرة من جديد. وكانت زوجته تلاحظه، وتراقب تفاصيله الصغيرة التي لا يراها هو، في ذلك اليوم، حين لم يفتح التلفاز في غير موعد نشرة الثامنة، سكن البيت لحظة غير مألوفة.. لم تسأله مباشرة، لكنها فهمت من طريقة جلوسه، ومن ذلك التوتر الذي تسلل إلى يديه قبل صوته، أن خطبًا ما بدأ يتشكل داخله قبل أن يظهر في كلامه..
ويوماً عن يوم قلّت مشترياته من السوق، حتى صار الكيس يعود أخفّ من ذاكرته، كأنه يتخلّى عن الأشياء في الطريق أكثر مما يشتريها. وفي أحد الأيام، قالت زوجته بنبرة عادية: لماذا لم تجلب كذا وكذا وكذا… فارتبك لحظة، ثم انفجر كأن السؤال صار اتهامًا وكشفًا متأخرًا لمؤامرة كاملة، وراح يردّ بسرعة متقطعة، يخلط بين السوق والباعة والبيت في جملة واحدة مشحونة، ثم اتهمها من دون تردد بأنها تتآمر مع باعة السوق لتغيير الأسعار وإرباكه هو تحديدًا.. شيئًا فشيئًا انتقل توتره من الخارج إلى الداخل، من الأسعار إلى ذاكرته، ومن ذاكرته إلى ادراكه نفسه..
في احد الأيام وبينما كان صديقنا في السوق، وقررت زوجته أن تقيم له عيد ميلاده الأربعين في البيت، كأنها تحاول إعادة ترتيب يومه على نحو أخفّ من توتره المعتاد، فأعدّت طاولة بسيطة ووضعت كعكة متواضعة ودعت الأطفال إلى التصفيق كأنهم يستدعون لحظة فرح قديمة، ولما عاد إلى البيت بكيس شبه فارغ ووجد الزينة فتوقف لثوانٍ كأن المشهد لا ينتمي إلى توقيته الداخلي، ونظر إلى الوجوه من حوله بعين تبحث عن معنى خفي خلف هذا الترتيب، بينما حاولت زوجته أن تبتسم وتقول له إنها أرادت فقط أن تذكّره بأن اليوم عيد ميلاده، انفجر وحطّم التلفزيون وانتابته فورة غضب وقال "كنّا ما نطيبو كان باللحم، عيب كبير يجينا ضيف نطيبولو الدجاج.. توا ولّى سي الكركاس، اش تخيّرنا على الهوايش".. ومن ذلك اليوم لم يعد ينطق إلا بتلك الجملة.. إلى أن انتهى به المطاف في مستشفى الرازي للأمراض العقلية .. وبقيت زوجته تكافح لأجل شفائه واسمرار عائلته..