رغم غلافها الإيديولوجي أحيانا ومسحة التقديس التي ترافق الخطاب احيانا اخرى، مفهوما قانونيا يُنظّم سلطة الدولة ويحدّ من عنفها المادي والمعنوي، بل هي، في الغالب، شعار سياسي يُستدعى عند الحاجة، ويُعاد تشكيله بما يخدم السلطة لا بما ينفع المجتمع، فبدل أن تكون السيادة ضمانة لحرية القرار الوطني ومساءلة الحاكم، تتحوّل إلى وسيلة دفاعية تُستخدم لإسكات النقد الداخلي، ورفض الضغط الخارجي، وتبرير توسيع سلطة الدولة دون رقابة.
في هذا السياق، لا تُمارَس السيادة كواقع مؤسسي قائم على التوازن بين الدولة والمجتمع، بل كخطابٍ انتقائي: يُرفع حين يُنتقد النظام، ويُخفّض حين تقتضي المبررات السياسية أو الاقتصادية "التفاوض" مع الخارج. وهكذا يتبدّى المفهوم كغطاء أكثر منه قيدا، كأداة لإعادة تعريف الشرعية بدل أن يكون إطارا يحدّها.
السيادة في سياقها العربي:
وقد تجلّى هذا الاستخدام بوضوح في تجارب عربية عديدة، إذ يُستدعى خطاب “حماية السيادة” بشكل متكرر في مواجهة المعارضة أو المنظمات الحقوقية، عبر ربطها بالتدخل الخارجي بينما تتحرّك السياسات الاقتصادية والامنية في إطار شديد الارتباط بالمؤسسات المالية الدولية وشروط الديون وإملاءات الدول الكبرى، والمفارقة هنا أن خطاب الاستقلال السياسي يتعايش مع تبعية اقتصادية وامنية عميقة، دون أن يتحوّل هذا التناقض إلى موضوع للنقاش العام.
ما تكشفه أمثلة عديدة من الواقع العربي هو أن السيادة في السياقات الاستبدادية لا تُقاس بمدى استقلال القرار الوطني، بل بكيفية توظيفه في الخطاب السياسي. فهي لا تُمارَس كمبدأ ثابت، بل كأداة مرنة: تُستخدم لترويض الداخل بوصفه تهديدا، والخارج بوصفه خطرا أو مؤامرة، بينما يتم إخفاء طبيعة التداخل الفعلي بين المستويات السياسية والاقتصادية المختلفة.
وهذا التوظيف الخطابي لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعمل داخله الدولة اليوم. ففي واقع العولمة، لم تعد الدولة فاعلا مستقلا بالكامل، بل جزءا من شبكة معقدة من العلاقات: اتفاقيات دولية، أسواق مالية، ديون، ومصالح جيوسياسية متشابكة. ومع ذلك، تميل الأنظمة الاستبدادية إلى الإيهام بأن السيادة هي استقلال مطلق، متجاهلة طبيعة هذا التشابك أو متعمّدة تغييبه عن المجال العام.
السيادة والهجرة:
وتبرز هذه المفارقة بشكل خاص في ملف الهجرة بين إفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا، إذ تُقدَّم سياسات الحدود في دول العبور أو الجوار باعتبارها تعبيرا عن "سيادة وطنية كاملة"، بينما هي في الواقع جزء من ترتيبات إقليمية أوسع، خصوصا مع الاتحاد الأوروبي. فالدول المعنية تتحوّل عمليا إلى فضاءات ضبط للهجرة مقابل دعم مالي وتقني او سياسي، ما يجعل القرار “السيادي” أقرب إلى نتيجة تفاوض غير متكافئ منه إلى تعبير عن إرادة مستقلة.
لكن الأخطر ليس فقط هذا التداخل، بل طريقة تغطيته سياسيا، فباسم السيادة، تُبررّ سياسات أمنية صارمة، وانتهاكات لحقوق الإنسان داخل الحدود، وكأن حماية الدولة تقتضي تعليق الحقوق أو تقييدها. ..وهكذا يُعاد تعريف السيادة، لا كحماية للمجتمع، بل كحماية للسلطة من أي مساءلة .
حاجة الاستبداد لخطاب السيادة:
وفي الداخل، يتحوّل هذا الخطاب إلى أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي. فبدل أن تكون السيادة إطارا يضبط السلطة، تصبح وسيلة لتوسيعها: يُعاد تأويل النقد كتهديد، والمعارضة كخطر على الدولة، ويُختزل الاختلاف السياسي في ثنائية الولاء والخيانة، وبهذا المعنى، لا تعود السيادة مفهوما قانونيا ، بل تتحوّل إلى أداة فرز سياسي تعيد رسم حدود المشاركة والشرعية.
المفارقة الأساسية أنه كلما ازدادت تبعية الدولة في الواقع، ازداد تمسّك خطابها بفكرة “السيادة المطلقة”. وكلما ضعفت المؤسسات الداخلية وتآكلت آليات الرقابة، اتّسع استخدام هذا المفهوم لتغطية الفراغ السياسي، مما يعني ان السيادة ليست مؤشرا على قوة الدولة، بل على هشاشة بنيتها واحتياجها المستمر إلى شرعية خطابية.
تبرير النخب:
حين تُختزل السيادة إلى أداة للقمع، لا يبقى ذلك حبيس خطاب السلطة، بل يتسرّب إلى جزء من النخب السياسية والثقافية والحقوقية، حيث يُعاد إنتاجه بلغة تبدو عقلانية و”وطنية”. فهذه النخب لا تكتفي بتبنّي المفهوم المُشوَّه للسيادة، بل تُسهم في شرعنته عبر خلط متعمّد أو مُلتبس بين الخطاب الحقوقي الدولي ومصالح الدول الاقتصادية، بما يجعل كل نقد حقوقي شبهةَ امتداد لإرادة الهيمنة الخارجية. وبهذا الخلط تُطمس الحدود بين التزامات الدول تجاه المواثيق الدولية وضغوط القوى الكبرى، وتُختزل الحقوق في خطاب الهيمنة، فتُقدَّم مطالب الحرية كخطر على الاستقرار، والحقوق كترف مؤجّل، ويُسوَّغ القمع باسم “المصلحة الوطنية” و”مقاومة التدخل الخارجي”.
ولا يحيل هذا الانخراط الى جهلٍ بقدر ما يعكس قناعة إيديولوجية ملتبسة، تخلط بين نقد الهيمنة الخارجية وتبرير الاستبداد الداخلي، فتنتقل النخبة من موقع النقد إلى وظيفة التبرير، وهنا تتجلى خطورتها الحقيقية: فهي ليست مجرد صدى لخطاب السلطة، بل أحد شروط استمراره، حيث تُسهم في تحويل القمع من استثناء إلى قاعدة، ومن ممارسة ظرفية إلى منطق دائم، وفي ترسيخ اختزال السيادة إلى أفقٍ أمنيّ مغلق يخدم استدامة الاستبداد.
"استعادة هيبة الدولة":
بعد الثورات العربية، تعمّق هذا المسار السيادوي ومع تعثّر الانتقال الديمقراطي وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تراجع أفق بناء المؤسسات الديمقراطية لصالح خطاب ابوي يختزل "ارادة الشعب" في شخص المنقذ ويسعى الى "استعادة هيبة الدولة”. وفي هذا السياق، عاد مفهوم السيادة ليحتلّ مركز الخطاب السياسي، ليس بوصفه أداة ديمقراطية، بل كبديل عن الديمقراطية نفسها.
لكن النتيجة لم تكن استعادة السيادة، بل إعادة تركيز السلطة. فحين تُضعف المؤسسات ويُختزل المجال السياسي، لا تصبح السيادة ملكا للمجتمع، بل أداة في يد السلطة التنفيذية. وهكذا يتحوّل شعار السيادة من ضمانة ضد الاستبداد إلى غطاء له.
السيادة والحرية:
في النهاية، لا تكمن الأزمة في غياب السيادة، بل في انقلاب معناها: من مبدأ يقيّد السلطة إلى خطاب يطلق يدها، ومن إطار قانوني يُفترض أن يحمي المجتمع إلى أداة تُستخدم لإعادة تشكيله والتحكّم فيه. غير أن هذا الانقلاب يكشف حقيقة أعمق: لا سيادة بلا حرية، لأن السيادة التي لا تستند إلى إرادة المواطنين وحقوقهم لا تعدو أن تكون امتدادًا لسلطة منفلتة تُمارَس باسم الدولة لا باسم المجتمع. وعند هذه النقطة، يفقد المفهوم معناه ويتحوّل إلى غطاء لغوي لعلاقات القوة.
لذلك، لا يُطرح السؤال اليوم عمّا إذا كانت الدولة “سيّدة” على الشعب، بل عن الجهة التي تحتكر تعريف السيادة وتفرضه، وعن المصالح التي يخدمها هذا التعريف، وعن الكيفية التي تُمارَس بها السيادة حين تُفصل عن شرطها الجوهري: حرية المواطنين وحقوقهم.