"زعمة ترجع أيامات الحرية؟"

مررنا في أحد أحياء العاصمة، حيّ يتوسّط المشهد

يلامس ملامح الشعبية ويلتقط شيئًا من الرقي الهادئ، فيبدو كأنه يقف في منطقة بين بين، وقبل أن نصل إلى وجعتنا، بدأ صديقي يحدثني عن بائع "كسكروت اللبلابي بالسردينة" هنا، وتحدّث عنه بنبرة عارف، وقال إنه الألذّ، فمرّ داخلي شعور بالاستغراب، إذ ارتبط هذا الأكل في ذهني بمدينة بنزرت، حيث يحضر في المخيال بطعم مختلف... واصل حديثه، وأضاف أن بضاعته تنفد في حدود الظهر، فيتحول محله إلى محطة عابرة في يوم العمّال و"الخدّامة"، وكان الوقت قد تجاوز المغرب، فبدت الحكاية كأنها تنتمي إلى ما مضى من اليوم. ومع ذلك واصلنا السير، وحين مررنا بجانب حانوته وجدناه مفتوحًا، فظهرت على ملامحه دهشة سرعان ما تحوّلت إلى ملاحظة " لتوا محلول، ما فماش بيوع..".. ربما يمرّ الركود عبر مشهد بسيط، ويترك أثره في خلاصة عابرة، وفي جملة تتشكّل بهدوء داخل هذا المساء.
اقتربنا من المحل، ثم أخذنا كسكروت اللبلابي وجلسنا على قارعة الطريق نأكل. كان المكان ساكنًا، فتونس تميل إلى النوم باكرًا.. وكان الحديث يتنقّل بيننا حول الشأن العام، يتفرّع أحيانًا ويعود، ثم ساد صمت قصير، قبل أن أقول: "زعمة ترجع أيامات الحرية؟" فالتفت إليّ وقال: "يا أختي نحنا التوانسة جرحنا بعضنا برشا."
ألمني ردّه، حتى أنّي شعرت بوخز مؤلم في قلبي.. ولطالما علّمتني الحياة أينما يكون هناك ألم، تكون هناك حقيقة... مرّت العبارة بيننا كوميض قاطع، وتحوّل الحديث حولها إلى مساحة أخرى من الفهم، كانت أفكارنا تتحرك داخل فضاء مزدحم بالأحداث، حيث تتقاطع السياسة مع الذاكرة، أين نتجاور الغضب والوجع وبعض من الأمل..
نحن جرحنا بعضنا، ولم نحسن التعامل مع الحرية كما جاءت، أو كما أفتكت، فقد دخلت السياسة حياتنا بقوة، وتوزعت الأفكار بيننا في مسارات مختلفة، وحمل كل طرف رؤيته كأنها حقيقة مطلقة، بما رافقها من توتر وغرور فصار الاختلاف تصادمًا واحتدامًا، وانزلق أحيانًا إلى نفي الآخر بدل الإصغاء إليه.. وشيئا فشيئا اتسعت مسافة اللاعودة بين الفهم وتقبل الاختلاف.
حتى في مجتمعنا، مرّت التجارب بين الناس في شكل حكايات موجزة، وتحولت هذه الحكايات إلى مواقف تُفهم بسرعة، وتُروى بانتقاص من تفاصيلها، فتكوّنت صور عن الآخر من جزء صغير من التجربة، وتكرّر هذا الفهم حتى أصبح طريقة في النظر إلى الناس، فصار اللقاء بينهم أقرب إلى تصنيف من كونه تعارفًا.
في اللغة، أخذت الكلمات معنى سريعًا، وارتبطت بالانفعال، وتبدلت دلالاتها حسب اللحظة، وتحوّل الكلام إلى وسيلة لإثبات الرأي أكثر من كونه مساحة للفهم، فطويت المسافة بين القول والأثر.
نرى ذلك جليا في الفضاء الرقمي، أين تسارعت الردود، وتتابعت المواقف في وقت قصير، وظهرت الآراء في شكل متزامن، وتكاثرت الأصوات داخل لحظة واحدة، فكبر الإيقاع العام، وتحوّل النقاش إلى حركات متسارعة، أبعدتنا عن تقبل بعضنا البعض..
في كل ذلك، تراكمت الجراح بيننا، واحتجنا وقتًا أطول بكثير لنفهم أن الحرية مساحة تسمح بالاختلاف وتحتمل التعدد، وأن تضييقها يقود إلى صوت واحد، ورأي واحد، ومصير باهت واحد..
“ولكن متى تشفى جراحنا؟” سألته، فكان جوابه أن الجراح تتحرك نحو الشفاء حين تتبدّل طريقة عيشنا لهذا القرب بيننا، وحين يأخذ الزمن معناه داخل الفهم بدل التراكم فقط.
فتمتمت: “ربما مع أولادنا أو أولاد أولانا… ربما مع أولادهم.”
ربما حتى الذاكرة تتحرك في هذا الاتجاه حين تُروى لتُفهم، وتُستعاد لتأخذ معناها، وتجد طريقها داخل الحاضر. وتمتد الأزمنة بين لحظات متعاقبة، تتقدم فيها التجربة وتعود في أشكال مختلفة، ويأخذ المسار إيقاعه بين حركة وهدوء.. وفي كل ذلك، يظل الجرح علامة على علاقة قائمة، وعلى قرب مستمر رغم ما مرّ، ويبقى السؤال مفتوحًا حول “كيف” نعيد ترتيب اللغة بيننا، وكيف نعيش اختلافنا دون أن يتحول إلى أذى.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115