فأبلغ جواب مُسكت أن الله عادل مطلق لا يظلم أحدا، فلا يولي المستبد إلا على المستبدين… فالمستبدون يتولاهم مستبد، والأحرار يتولاهم الأحرار.” — عبد الرحمن الكواكبي
تختزل عبارة ابن خلدون"الظلم مؤذن بخراب العمران" فهما عميقا لآليات التفكك التاريخي، إذ تكشف كيف يقود الاستبداد إلى تآكل الروابط الاجتماعية وتقويض أسس الاستقرار السياسيوالمجتمعي ، فهي لا تكتفي بوصف الظلم كاختلال أخلاقي، بل تصنفه كنقطة انعطاف حاسمة في مصير الدول، حيث ينقلب الحكم من وظيفة ترعىالصالح العام ، قائمة على ميزان العدل إلى ممارسة انتقائية تستثمر السلطة كل أدواتها لتكريس امتيازاتها والحفاظ على نفوذها وتأبيد سلطانها،عندئذ يفقد القانون صفته كاطار ضامن للإنصاف، وتتصدّع الثقة بالدولة والمؤسسات، ولا يعود الظلم مجرّد انتهاك لحقوق الأفراد، بل يتحوّل إلى قوةٍ تهدّم أواصر التلاحم التي يقوم عليها العيش المشترك ، فتوهن الروابط الجامعة، وتغذّي شعورا عاما بالعبث وفقدان الجدوى، حتى يغدو الخراب مآلا منطقيا لمسار الانحراف، لا حادثا طارئا أو أزمة عابرة.
صمت المجتمع
الثابت تاريخيا هو ان السلطة التي لا تُسأل تميل بطبيعتها إلى التوسع والاستحواذ على كل المجال العام، غير أن هذا التوسع لا يستمر إلا بوجود صمت مجتمعي يمنحه غطاء مستترا وتشجيعا ضمنيا، فالمواطن الذي يعتاد الخضوع، أو يبرّر التجاوزات باسم امنه واستقراره ومصلحته الانية، لا يبقى مجرد متفرج، بل يتحول — ولو دون وعي — إلى شريك صامت يمدّ الظلم بشرعية يومية ويُطيل عمر الانحراف السلطوي...
وهنا تستحضر الذاكرة صرخة بطل رواية"الكرنك"للكاتب الكبير نجيب محفوظ: "كلنا مجرمون وكلنا ضحايا"، وهي عبارة تكشف حقيقة مُرّة مفادها أن المسؤولية في الظلم لا تقع على السلطة وحدها، بل تتوزع — بدرجات مختلفة — داخل مجتمع يساهم، بانتهازيته أو خوفه أو صمته، في تطبيع الاختلال حتى يغدو مألوفا.
وللنخب مسؤولية:
يتجاوز فهم الأزمة ظاهر المجتمع ليبلغ مستواه الأعمق في مساءلة النخب التي يُناط بها دور الضمير النقدي والبوصلة القيمية، فعندما تنكفئ النخب عن دورها في النقد والمساءلة، أو تختار الاحتماء بخطاب ملتبس يساير موازين القوة، فإنها لا تكتفي بالتقصير، بل تصبح شريكًا في تكريس الانحراف ومنحه غطاء من المشروعية، وأخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن تنقلب النخب من قوة تصحيح إلى قوة تبرير، فتتحول اللغة إلى ستار يجمّل الاختلال بدل أن يفضحه، ويُستبدل وضوح الموقف بحسابات المناورة، ويتراجع الواجب أمام ضيق المصالح.
هذا الإخفاق النخبوي يخلق فراغا أخلاقيا وسياسيا ينعكس مباشرة على سلوك المجتمع، ففي غياب قيادة فكرية شجاعة، يُدفع المواطن إلى التكيّف بدل المقاومة، ويصبح الصمت خيارا يبدو "عقلانيا "في بيئة تفرض الطاعةبالإكراه ويُعاقَب فيها الاعتراض ويُصادر فيها النقد تماما.
إن التقاء عجز النخب مع خضوع قطاعات واسعة من المواطنين يخلق دائرة مغلقة يصعب كسرها: سلطة تتوسع بلا رادع، ونخب تتردد أو تتواطأ، ومجتمع يعتاد خفض سقف توقعاته من العدالة والحرية. ومع الزمن، يتحول الظلم إلى حالة عادية لا تثير سوى تذمر خافت وحزن دفين، بينما تتآكل الثقة بالمؤسسات وتضعف فرص الإصلاح.
الأيديولوجيا كأداة إقصاء:
تشكّل الأيديولوجيا الإقصائية طبقة أخرى من الخراب، لا لأنها مجرد اختلاف في الرؤى، بل لأنها — في السياق العربي — وُلدت ونمت داخل بيئة من الانغلاق السياسي وغياب الحوار المجتمعي الحقيقي.
ففي ظل فضاء عام مُقيَّد، حيث تُصادَر النقاشات الحرة وتُختزل السياسة في الولاء أو المعارضة المنبوذة، تتحول الأيديولوجيا، يمينها ويسارها على السواء، إلى هوية صلبة تختزل الواقع في معسكرات متناحرة، وتعتدي على المشترك الإنساني. وهكذا يُعاد تعريف الاختلاف بوصفه تهديدا، ويُصوَّر النقد كخيانة... وفي هذا المناخ، يتقاطع منطق السلطة مع انغلاق الفكر، فتُنتَج بيئة تُغذّي الاستقطاب وتُسهّل استمرار الهيمنة، في الوقت نفسه تتفكك القيم المشتركة وتنهار الروابط التي تشكل أساس أي حضارة.
غياب الديمقراطية الفعلية:
يزداد عمق الأزمة حين تغيب ديمقراطية حقيقية، فتتحول الانتخابات في "الجمهوريات" إلى طقوس شكلية، وتفقد المؤسسات استقلالها، ويُدجَّن الإعلام، فيغدو النقاش حول الحقوق مجرد مظهر بلا أثر، وتصبح مساءلة السلطة مطلبا مؤجّلا باستمرار، بل يُصوَّر كأنه ترف لا حقّ أصيل للمواطن. عندئذ ينحرف القانون عن غايته، فيُستعمل لضبط الطاعة بدل صون العدالة، ويبدأ التآكل الصامت: اقتصاد يزداد هشاشة، مؤسسات تنهار من الداخل، وشباب يفقد الثقة في الحاضر و المستقبل، فيهجر الوطن مكرها، تاركا وراءهفراغا يبتلع فرص الإصلاح ويعمّق أزمنة الجمود والانحلال.
ثلاثية الازمة اليوم:
السلطة غير الخاضعة للمساءلة و النخب المترددة أو المتواطئة، والأيديولوجيا الإقصائية، تشكّل معا ثلاثية الهدم التي تعيد إنتاج الظلم وتكرّس الاختلال في المجتمعات، فالعمران وتطور المجتمعات لا يُحفظان بالقوة وحدها، بل بالعدالة التي تصون الحقوق، والوعي الذي يوقظ الضمير، والمساءلة المستمرة التي تمنع الانحراف السلطوي، وحين تغيب هذه العناصر، يتحوّل التدهور من احتمال إلى مصير يعاد إنتاجه بلا هوادة.. والمجتمع الذي يطبع مع الظلم ويحتمي بالصمت، يُدمّر ببطء، اذ وحده المجتمع الذي يواجه الانحراف ويبقي حواره مفتوحا هو القادر على استعادة التوازن وإعادة صياغة مصيره.
ما تعيشه المنطقة العربية ليس مجرد أزمات متفرقة أو تعثّرات ظرفية، بل أزمة هيكلية عميقة تشكّلت عبر تراكم طويل من انغلاق ثقافي، وهيمنة سلطة تميل إلى ضبط المجال العام بدل تنظيمه، وتردّد نخب فقدت جرأتها النقدية، إضافة إلى إنهاك الأيديولوجيات التي استُهلكت حتى فرغت شعاراتها من مضمونها الفعلي.
في هذا السياق، تجد المجتمعات نفسها أسيرة حلقة مفرغة: سلطة تضيق على التعدد والاختلاف باسم الاستقرار، ونخب تتأرجح بين الصمت والتبرير أو الانخراط في صراعات هامشية، وخطابات سياسية وثقافية عاجزة عن بلورة مشروع جامع، فتتحول من فضاءات للنقاش إلى أدوات للاستقطاب وإعادة إنتاج الهيمنة، بدل أن تكون جسورا للفهم المشترك ومحركات لإصلاح حقيقي.
في هذا التشابك المريع، لا يُقمع المواطن فقط، بل يُعاد تشكيل وعيه بحيث يصبح الظلم قدرا محتوما... وهكذا، يغدو الاستبداد متجذرا لا فقط بالقوة وحدها، بل بتآكل المعايير، وتطبيع الانحراف، وتجميد النقاش الحر، حتى يتحول خراب الأوطان إلى نتيجة شبه حتمية لمسار طويل من القمع والصمت والعجز الفكري، تاركا وراءه مجتمعا متصدعا في بنيانه وممزقا في وعيه.
استعادة النخب لدورها:
لكن الخراب ليس قدرا محتوما، بل نتيجة مسار طويل من اختلال موازين القوة وتعطّل المساءلة. وكسر هذا المسار يبدأ حين تستعيد النخب دورها كضمير نقدي لا يساءل السلطة فقط، بل يصيغ بدائل واقعية ومقنعة، فتُعاد هيكلة المجال العام على أساس الحوار العقلاني لا منطق التبرير أو الصراع العقيم، وتُبنى الشرعية على العدل لا على الغلبة. عندئذ فقط ننتقل من المناكفة العقيمة وإدارة الأزمات إلى معالجة جذورها البنيوية، ومن علاقة ملتبسة بين الدولة والمجتمع إلى عقد يقوم على الحقوق والمسؤولية المتبادلة. هكذا يصبح الإصلاح مسارا تاريخياواعيا لا مجرد نداء أخلاقي، في انسجام مع بصيرة ابن خلدون التي نبّهت إلى أن الظلم ليس عرضا عابرا، بل قوة تنخر العمران من داخله ما لم تواجهها إرادة إصلاح تعيد للعدل مكانته في الحياة العامة.