اصلاح التعليم الأساسي وفلسفة الاندماج … المفهوم والدّلالات العميقة...

من أهمّ المشاكل التي تشكو منها العمليّة التربويّة

في بلادنا هي كثرة الموادّ ودسامتها في المرحلة الأساسيّة ينضاف الى هذا سوء طرح المواضيع التي تكون عادة مسقطة وغير مرتبطة بالواقع المحيط بالتلميذ وافتقادها جانبا مهمّا آخر وهو الجاذبيّة.
المواد عددها 7 في السنة الأولى ابتدائي لتصبح 11في السنة السادسة وتصل الى 15 مادّة بالتّمام والكمال في التعليم الاعدادي وهذا جعل تعليمنا الأساسي موغلا في التخصّص بصفة مبكّرة جدّ ا و لم يكن من آثاره المباشرة ضغوطا كبيرة على التلميذ فقط ولكن أيضا رسّخ لديه فكرة تفتّت المعارفوعدم ارتباطها ...
وهنا أريد أن أفتح قوسا لأعبّر عن وجهة نظر شخصيّة وهي أنّي لا أتصوّر اصلاحا تربويّا جديّا قادرا على احداث نقلة نوعيّة مع الاحتفاظ بهذا الكمّ الهائل من الموادّ وهذا يحيلني الى التذكير بأنّ كلّ اصلاح جدّي لا بدّ أن يراعي أوّلا وأساسا المصلحة الفضلى للتلميذ وأنّ هذا الامر يتطلّب جرأة والقيام بإصلاحات ربّما تبدو لأوّل وهلة صعبة التحقيق ...
في المدّة الأخيرة كان لي حوار مع بعض تلامذة الثامنة أساسي حول موضوع "التركيب الضوئي"أو التمثيل الضوئي وهي عمليّة كيميائيّة طبيعيّة تنتج بواسطتها النبتة مادّتها العضويّة (أوراقها وأغصانها ) عبر تفاعلها مع مكونّين من محيطها وهما هباءة ثاني أكسيد الكربونmolécule de CO2 و ضوء الشمس وهو موضوع تتناوله مادّة علوم الحياة والأرض ويكتسب أهميّته لأنّه يفسّر طريقة نموّ عالم النبات ولكن وفي العقود الأخيرة ومع بداية ظهور آثار التغيّرات المناخيّة في كلّ مكان في العالم أخذت هذه العمليّة الكيميائية الطبيعيّة بعدا ورمزا آخر لأنّها أصبحت أساس إحدى التقنيات الطبيعيّة المتّبعة لمقاومة الانحباس الحراري ( تخزين الكربون داخل النبتة وتقليل مروره إلى الأجواء العليا عبر عمليّة التشجير) وهو ما أطلق عليه علميّا ب"الآبار الكربونيّة "لأنّ النبتة تقوم بأخذ ذرّة الكربون من هباءة ثاني أكسيد الكربون وتطلق في الجوّ ذرّتي الأكسيجين المتبقيّة .
ولكنّ المفاجأة وقعت لي عندما ذكرت هباءة ثاني أكسيد الكربون وذرّاتها حين قال أحد التلاميذ :"عفوا سيدي انّنا ندرس الهباءة في مادّة الفيزياء ".
يبدو أنّ " التمثيل الضوئي" يدرّس لتلاميذ الثامنة أساسي صلب مادّة علوم الحياة والأرض ولكن دون ذكر " هباءة ثانيأكسيد الكربون "التي تدرّس في مادّة الفيزياءوهذا أحد أمثلة ما أسميّه تفتّت المعرفة وعدم اكتمالها في ذهن التلميذ بالنسبة لظاهرة طبيعيّة واحدة وهو ما يعطي فلسفة الاندماج التي اقترحها بالنسبة للتعليم الأساسي أكثر من مبرّر لتترسّخ في اطار اصلاح عميق وشامل ...
وهنا أريد أن أذكّربأنّ الاندماج هي الحالة الاصليّة للحياة نفسها ويكفي أن ننظر حولنا لنرى الأمثلة في كلّ مكان :في مدينة الهوّارية وعلى بعد مئات الأمتار فقط من جلّ المؤسسات التربويّة هناك موقع أثريفريد في كامل البحر المتوسّط اسمه " المغاور البونيّة " وهو عبارة عن مقاطع حجارة تعود الى أكثر من 2000سنة خلت اختارها أسلافنا البونيّون بعناية لبناء مدينة قرطاج نظرا لطبيعة الصخرة التي هي " رمل متحجّر"( لونها يميل الى اللون الأصفر)لأنّ السّاحل الشمالي للمدينة كان في فترات سحيقة مغطّى بكثبان رمليّة ولأسباب جيولوجيّة لاحقة ومجهولة تكلّس الرملوأصبح الساحل صخريّا .
وطبيعة الصخور لم تكن مناسبة فقط لبناء مدينة قرطاج البونيّة بل أيضا لظهور وسط طبيعي معروفبنباتات مميّزة مثل الكبّار الشوكي و الزعتر البرّي ومأوى لطيور مثل الشحرور الأزرق وحميراء موسيي ...
وهذا المزيج من التاريخ والطبيعة متعانق فوق تلّة ساحليّة تشرف على الحوضين الشرقي والغربيللبحر المتوسّط...
في هذا المثال يندمج التاريخ بالعلوم الطبيعيّة والجغرافيا وتكفي زيارة مؤطرة لتلامذة المؤسسات التربويّة القريبة لتقديم الحضارة البونيّة وكيف هي امتزاج سلميبين الحضارة الاصليّة اللوبيّة والحضارة الفينيقيّة الوافدة من مدينة صور اللبنانيّة وكذلك الحضارة الرومانيّة الغازية لانّ المكان هو أقرب نقطة بين بلادنا وروما وشهد أولى حملات الغزو الروماني لبلادنا وأيضا لتقديم وسط طبيعي نشأ في جغرافيا ساحليّة ونتيجة لظروف جيولوجيّة سحيقة ...
إن التعريف الأصلي للاندماج الذّي اقترحه كأساس لإصلاح التعليم الأساسي بمرحلتيه الابتدائية والإعدادية هو دمج الموادّ الأدبيّة وأيضا مادّة علوم الحياة والأرض صلب مادّة الحضارة العربيّة ويكون أساسا في شكل كتاب نصوص يحوي نصوصا تتعلّق بالتاريخ والجغرافيا و التربية الإسلاميّة وغيرها ولكنّ هذا التعريف وحده لا يكفي فالاندماج الذّي أعنيه هومفهوم مركّب ويعني أيضا أن نصّا واحدا أو خرجة واحدة الى فضاء قريب يمكن أن يكون بمثابة الحامل البيداغوجي الذي يدمج صلبه عدّة موادّ.
وهنا أنا سوف أقوم بمقاربة مع تجربة ناجحةفي مجال النشر الورقي وهي تجربة المجلّة الجغرافيّة الأمريكيّة " ناسيونال جيوغرافيك "التي تجمع بين دفّتيها كل شهر مقالات في شكل نصوص ممتعة يكتبها مغامرون وصحفيّون و تتعلقبمواضيع مختلفة وهي الجغرافيا الطبيعيّة والبشريّة والتاريخ وأيضا علوم الحياة والأرض والبيئة والطبّ.
هذه التجربة نجحت ولأكثر من مائة وعشرين عامافي كسب ودّووفاء أكثر من عشر ملايين قارئ حول العالم وأن يكون لها أكثر من ثلاثين ترجمة من بينها الترجمة العربيّة التي تصدر من دولة الامارات بفضل تمكّنها من تقنيات ما أسميّه النصّ البسيط المشفوع بصور عالية الجودة وأيضا طرح مختلف مواضيعها في شكل عمليّة اكتشاف وبحث شخصي مموّلة من قبل المجلّة نفسها وليس بطريقة مسقطة وهذه تقنية سوف أعود الى ذكرها بأكثر تفاصيل في مقال آخر.
وفلسفة الاندماج لا يمكن لها خلق نقلة نوعيّة أو ما أسمّيه ثورة في التعليم الأساسي اذا لم تكن مصاحبة لتقنيات أخرى كثيرة وأوّلهاضرورة انفتاح المؤسّسات التربويّة على محيطها القريب وهنا أنا أؤكد على عامل " القرب " وأيضا على فكرة أن تكون الخرجة الى المحيط القريب هي" درس قائم بذاته ويشمل جميع التلاميذ وفي مجموعات صغيرة " وليس نشاطا مكمّلا أو ترفيها وأيضاأن تكون النصوص التي تناقش في الأقسام مختارة بعناية بحيث تراعي جوانب البساطة والمتعة والقرب من التلميذ واندماج المعارف قدر المستطاع ومنها أيضا التخلّي على تلقين قواعد النحو والصرف المملّة و كذلك ضرورة ديناميكيّة البرامج وعدم تقديمها بطريقة مسقطة وتجاوبها مع المتغيّرات والفصول والأحداث الطارئة .في المدّة الأخيرة شهدت بلادنا منخفضا جوّيا استثنائيّا أرجعه المختصّون الى التغيّرات المناخيّة و أدّى الى مدّ بحريشمل أجزاء كثيرة من مناطقنا الساحليّة كان من نتائجه كشف أجزاء أثريّة تعود الى حضارات مهمّة مرّت ببلادنا فعلى شاطئ مدينة نابل مثلا ظهرت صهاريج لتمليح الأسماك وخزّانات مياه وآثارا تعود الى الفترة الرومانيّة أمّا مدينة المهديّة فقد ظهرت على سواحلها المقبرة الوحيدة التي تعود الى الفترة الفاطميّة وكشفت الأمواج على سواحل رأس أنجلة بولاية بنزرت أرضيّات فسيفساء مهمّة وفي حالة جيّدة وتعود الى الفترة الرومانيّة كما أخرج البحر بقايا كائنات و كذلك نباتات بحريّة مهمّة لاستدامة الوسط البحري : كلّ هذه المعطيات المستجدّة والطارئة هي مادّة بيداغوجيّة دسمة , مندمجة وممتعة يمكن التجاوب معها للقيام بخرجات لفائدة تلاميذ المؤسسات التربويّة القريبة لمعاينة الآثار وتقديم الحضارات التي تنتمي إليها ويمكن أن يكون الحدث أيضا فرصة للنقاش حول خصوصيّات الوسط البحري وماهيّة التغيّرات المناخيّة وآثارها ...
بقلم: نبيل بن ابراهم
أستاذ رياضيّات مميّز ومفكّر في مجال علاقة التربية بالثقافة

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115