براعة كوثر بن هنية والوهم العربي لنيل الأوسكار

أصبحت المخرجة التونسية كوثر بن هنية خلال سنوات قليلة

من أهم الأصوات السينمائية العربية؛ هذا رأي لا تشوبه المجاملة أو الكلام غير المسؤول، فمنذ تحقيقها لفيلم "الرجل الذي باع ظهره" في 2022، والذي وصل للقائمة النهائية لترشيحات أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة (المانحة للأوسكار)، وهي تحقيق مكانة مرموقة.. الأكاديمية ترشحها لكنها لا تمنحها سوى البروبغندا والترويج لجائزتها ومنظومتها.

تلفت بن هنية اهتمام واستحسان الجماهير المتذوقة والنخب المتخصصة، بأسلوبها السينمائي التجريبي الفريد من نوعه، انها تدمج ببراعة مستحدثة بين التوثيق الواقعي والخيال الروائي، وتفعل ذلك في سياقات مرتكزة على قضايا المرأة وصراعاتها.
هي أيضًا توظف الكوميديا السوداء، وتكسر الجدار الرابع، بحيث يتماهى المشاهد مع ما يشاهد. الى جانب ذلك تعمد الى اعادة تمثيل الأحداث الحقيقية بشخصياتها الفعلية، وهذه منهجية مدهشة، بحسب علمي لم أشهدها من قبل.. كل هذا يمنح أفلامها طابعاً إبداعياً، صادقاً، ويجعلها ذات أبعاد إنسانية عالمية. وهو يجعل أفلامها ذات قيم ثقافية رفيعة وفنية بديعة، لأنها تنتهج اسلوب تجريبي مبتكر، وتخلط القوالب الدرامية، (Docufiction) و تعيد بناء الواقع داخل إطار درامي جديدة، كما في فيلم "بنات ألفة" الذي وصل للقائمة النهائية لترشيحات الاكاديمية، الوصول وليس الحصول!
الى جانب ذلك براعتها في استخدام السخرية لمعالجة قضايا اجتماعية وسياسية معقدة، وهو ما ظهر في "شلاط تونس" و"على كف عفريت".
تتناول قصص نساء يعشن صراعات بين الواقع والتقاليد، مع ابراز دورهن في المجتمع، كما في "زينب تكره الثلج" و"بنات ألفة" أيضًا. حسنًا، أين الأوسكار؟
إذا نظرنا لموضوعاتها التي تنطلق من محيطها التونسي والعربي لتطرح قضايا إنسانية شاملة، ما أوصل أعمالها للمهرجانات العالمية كـ "كان" و"فينيسيا" والترشح للأوسكار للمرة الثالثة بعد تحقيقها فيلمها اللافت "صوت هند رجب" في 2025، وبلوغه القائمة النهائية.. وصول ولن يكون هناك حصول.
هنا أود الاشارة بأن اختيار الصوت بوصفه محورًا للسرد لم يكن تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل رؤية فنية وأخلاقية متعمدة ومقصودة، لذلك وكما قالت بن هنية نفسها: أن الفيلم ليس للمتعة داخل قاعة السينما، بل لتوليد إحساس دائم بالألم والمسؤولية، وأن يكون المتفرج مستشعرا للأحداث طيلة زمن الفيلم ويسأل نفسه ماذا نعمل بعد ذلك وكيف سنواجه المستقبل.
هذا التوجه التحريضي كفيل بأن يجعل الأكاديمية ترشح ولا تمنح، فهي بذلك تحقق أهداف استراتيجية ترويجية لجائزتها واكسابها البعد المستحيل في نيل الجائزة بسهولة وأسباب فنية حتى لو كانت بن هنية أو نادين لبكي (كفر ناحوم) أو ناجي أبو نوار (ذيب). مع احتفاظ ذاكرتنا بالفيلم العربي الوحيد الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي (دولي) جزائري - فرنسي "زد" (Z) للمخرج كوستا غافراس عام 1969 ، الذي لا أدرك أسباب فوزه منحه، ليست الفنية طبعاً أو الموضوعية، ولكن الثقافية السياسية Political Culture. .. لعلها غلطة من الأكاديمية أو أن هناك حسبة لا أفهمها.
وفي البال أيضًا الكثير من الافلام المصرية التي تم ارسالها وترشيحها للأوسكار من قبل المصريين : باب الحديد (1958)، دعاء الكروان (1959)، وا إسلاماه (1961)، اللص والكلاب (1962)، أم العروسة (1963)، القاهرة 30 (1966)، إمبراطورية ميم (1972)، أريد حلاً (1975)، إسكندرية ليه (1979).
وأيضًا أفلام: المصير (1997)، أرض الأحلام (1993)، أسرار البنات (2001)، سهر الليالي (2003)، بحب السيما (2004)، عمارة يعقوبيان (2006)، في شقة مصر الجديدة (2007)، الجزيرة (2007)، رسائل البحر (2010)، الشوق (2011)، فتاة المصنع (2014).
واستمر الارسال الترشيحي (الاستجدائي) مع: اشتباك (2016)، شيخ جاكسون (2017)، يوم الدين (2018)، ورد مسموم (2019)، لما بنتولد (2020)، سعاد (2021)، فوي! فوي! فوي! (2023)، ورحلة 404 (2024).
كل هذه الافلام لم تنل رائحة الاوسكار.. أسباب ذلك يمكن كشفها. الصحافة العربية الفنية الهشة تعلن عن "منافستها".. منافسة؟ ما أعجب ذلك.
أخيرًا وبعد كل ذلك، أود أن أختم بسؤال: هل الأكاديمية (OSCAR - AMPAS) ستمنح فيلم "صوت هند رجب" جائزتها المسيّسة والمعدة للوبي معتمد وتنتصر للصوت الفلسطيني؟ .. لا أعتقد !
بقلم: خالد الربيعي (ناقد وباحث سينمائي سعودي)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115