وبناء المعنى التاريخي، معتبرًا أن الأحداث لا تصبح تاريخًا إلا حين تُدرَج في حبكة تتيح فهمها داخل زمن جماعي. ويؤكد، في Soi-même comme un autre، أن الهوية الجماعية تُبنى عبر ذاكرة سردية، تُعرّض الماضي للتأويل، لكنها لا تعفيه من المسؤولية. فالنسيان ليس مجرد فقدان، بل قد يكون شكلًا من أشكال الإقصاء الرمزي. من هنا، تكتسب استعادة تجربة محمد علي الحامي والطاهر الحداد معناها العميق: فهي ليست استذكارًا احتفائيًا، بل فعل ذاكرة ناقدة، يعيد إدراج الفعل النقابي والنقد الاجتماعي للأسرة والتعليم في سردية المشروع الوطني. وبهذا المعنى، يصبح السرد أداة عدالة تاريخية، تفتح إمكان مساءلة حداثة تونسية بُنيت أحيانًا على ما أُدرِج في الذاكرة، وأكثر على ما أُقصي منها.
تتمحور هذه الدراسة حول مساءلة شروط إمكان تشكّل مشروع اجتماعي وطني في تونس الحديثة، من خلال تحليل التوتر البنيوي بين نموذج الفعل العمّالي والتنظيمي الذي مثّله محمد علي الحامي، ونموذج الإصلاح الثقافي والاجتماعي الذي بلوره الطاهر الحداد. وتسعى إلى بيان ما إذا كان هذا التوتر تعبيرًا عن تعارض تاريخي، أم عن شرط تأسيسي لإنتاج ذات اجتماعية وطنية قادرة على الفعل التاريخي.
لم يكن تشكّل المشروع الاجتماعي الوطني في تونس الحديثة مسارًا خطّيًا أو متجانسًا، بل كان نتيجة توترات فكرية واجتماعية عميقة، تداخلت فيها رهانات الفعل السياسي، والتحوّل الاجتماعي، وإعادة بناء الوعي الجماعي في سياق استعماري معقّد. ففي مطلع القرن العشرين، برزت شخصيتان مركزيتان — محمد علي الحامي والطاهر الحداد — لا بوصفهما فاعلين تاريخيين معزولين، بل باعتبارهما تجسيدين لمسارين متمايزين في التفكير في إمكان النهضة الاجتماعية الوطنية وشروطها.
يمثّل محمد علي الحامي أفق الفعل الاجتماعي المباشر، المرتكز على التنظيم العمّالي والصراع الطبقي وبناء الذات الجماعية من داخل شروط الاستغلال والاستعمار. في المقابل، يجسّد الطاهر الحداد مشروعًا إصلاحيًا عميقًا، ينطلق من إعادة تشكيل البنى الرمزية للمجتمع، ولا سيما قضايا المرأة، والتعليم، والفكر الديني، بوصفها شروطًا أولية لأي تحوّل اجتماعي مستدام. ولا يمكن فهم هذا التباين باعتباره مجرد اختلاف في الأساليب أو الأولويات، بل ينبغي قراءته كتعبير عن توتّر بنيوي داخل مسار تشكّل الوعي الاجتماعي الوطني نفسه.
إن استحضار هاتين التجربتين يطرح سؤالًا فلسفيًا وتاريخيًا مركزيًا يتجاوز السرد التوثيقي أو المقارنة البيوغرافية، ليمسّ في العمق إشكالية الفعل التاريخي وشروط إمكانه داخل مجتمع خاضع للاستعمار، ومنقسم اجتماعيًا، ومعلّق بين تقاليد موروثة وتطلعات حداثية. فهل يُبنى المشروع الاجتماعي الوطني انطلاقًا من الفعل المادي والتنظيمي للطبقات الشعبية، أم من التحوّل الثقافي والأخلاقي لأنماط الوعي؟ أم أن هذا المشروع لا يصبح ممكنًا إلا في المسافة المتوترة بين هذين الأفقين؟
كيف يمكن التفكير في شروط إمكان تشكّل مشروع اجتماعي وطني في تونس الحديثة من خلال التوتر البنيوي بين نموذج الفعل الاجتماعي والتنظيمي الذي مثّله محمد علي الحامي، ونموذج الإصلاح الثقافي والرمزي الذي بلوره الطاهر الحداد؟ وهل يمثّل هذا التوتر تعارضًا تاريخيًا حال دون تحقق المشروع، أم شرطًا تأسيسيًا لإنتاج وعي اجتماعي وطني قادر على الفعل والتحوّل؟
إن انتماء محمد علي الحامي والطاهر الحداد إلى الحامة، أي إلى الجنوب التونسي المهمَّش، لا يمكن قراءته كمعطى جغرافي محض، بل بوصفه موقعًا رمزيًا لتكوّن الوعي الاجتماعي. فمن هذا الهامش، شقّ الحامي مسارًا عصاميًا قطيعيًا مع مسالك الشرعية التقليدية، متسلحًا بالاقتصاد السياسي وبالتجربة النقابية الأوروبية، في حين اختار الحداد أن يخوض معركة الحداثة من داخل المؤسسة الزيتونية، مستثمرًا أدوات الفقه والتأويل ومتفاعلًا مع الفكر الإصلاحي الناشئ. وهكذا يتجسد الجنوب لا كهوية منغلقة، بل كقوة نقدية تزعزع المركز، وتعيد توزيع أدوار الفعل والمعنى في تشكّل الفكر الاجتماعي التونسي الحديث.
لم يكن التلاقي بين محمد علي الحامي والطاهر الحداد مجرّد تقاطع جغرافي أو تعاطف ظرفي بين رجلين من الجنوب التونسي، بل هو تعبير عن انبثاق نمط جديد من الحداثة المقاومة، حداثة لا تستمد مشروعيتها من المركز الاستعماري ولا من التقليد الإصلاحي الكلاسيكي، بل من ابتداع أشكال غير مسبوقة للفعل والمعنى. فالحامي، المتكوّن في فضاءات الجامعة الشعبية ببرلين والمشبع بفكر الاقتصاد السياسي والصراع الطبقي، لم ينقل النموذج النقابي الأوروبي إلى السياق التونسي، بل أعاد اختراعه من داخل شروط الاستعمار، مؤسِّسًا لأول نقابة وأول إضراب بوصفهما فعلَي كسرٍ للهيمنة لا مجرّد مطالب مهنية. وفي هذا الفعل التأسيسي، لم يكن الطاهر الحداد شاهدًا محايدًا، بل حاضرًا بقوة، مدركًا—على نحو يذكّر بغرامشي—أن الهيمنة لا تُكسر بالفعل الاجتماعي وحده، بل بإعادة تأسيس المعنى الذي يشرعنه. من هنا تتجاور التجربتان لا بوصفهما مسارين متوازيين، بل كحقل توتر خلاق بين ما يسميه بول ريكور «عدالة المؤسسات» وما يسميه فرانز فانون «استعادة الإنسان لفاعليته التاريخية». فالحداد، المتكوّن زيتونيًا والمنفتح على الفكر الإصلاحي وحركة الشباب، لم يقدّم حداثة خطابية منفصلة عن الواقع، بل وجد في التجربة النقابية للحامي تجسيدًا عمليًا لما كان يشتغل عليه نظريًا: تحرير الذات الاجتماعية، بما فيها المرأة والعامل، من منطق الطاعة والقدر. هكذا تتأسس العلاقة بين الرجلين على أصالة مزدوجة: أصالة الفعل لدى الحامي وأصالة التأويل لدى الحداد، أصالة تجعل من الحداثة التونسية المبكرة حداثة مقاومة، لا تابعة، وحداثة مُبتدَعة من الهامش، لا مستوردة من المركز.
يتحرك العمل النقابي لمحمد علي الحامي، ومشروع الطاهر الحداد في تفكيك المنظور التقليدي للأسرة والمجتمع، داخل أفق نظري واحد قوامه مقاومة الهيمنة بوصفها بنية شاملة، لا مجرد سلطة سياسية. فالنقابة والمدرسة يشكلان مؤسستين مضادتين، تنتجان ذاتًا اجتماعية جديدة قادرة على الفعل والمساءلة. وضمن شروط الاستعمار، وتشكّل الفاعل الجماعي، وظهور المثقف العضوي، تبلورت حداثة تونسية مبكرة، حداثة مقاومة، لا تقوم على استيراد النموذج، بل على ابتكار أشكال للتحرر من داخل الاجتماع ذاته.
النقابة والمدرسة: أفق حداثة مقاومة بين الفعل الاجتماعي وإعادة تأسيس المعنى:
لا يمكن فهم المشروعين اللذين اضطلع بهما محمد علي الحامي والطاهر الحداد خارج أفق واحد، يتجاوز التقسيم التقليدي بين الاجتماعي والثقافي، أو بين النضال الاقتصادي والإصلاح الفكري. فالنقابة، كما أسسها الحامي في سياق الهيمنة الاستعمارية، والمدرسة/الدرس، كما أعاد الحداد تعريف وظيفتهما في كسر المنظور التقليدي للأسرة والمجتمع، لا يمثلان مجالين منفصلين، بل شكلين متكاملين لحداثة مقاومة، تشكّلت في تونس بوصفها استجابة تاريخية لهيمنة مركّبة: استعمارية، وأبوية، ورمزية.
لقد أدرك الحامي، من موقع المثقف العصامي المتكوّن في فضاءات الجامعة الشعبية والاقتصاد السياسي الأوروبي، أن السيطرة الاستعمارية لا تُمارَس فقط عبر الدولة والإدارة، بل عبر تنظيم العمل نفسه، وعبر تحويل العامل إلى قوة صامتة داخل منظومة إنتاج لا يملك وعيها ولا أدوات مساءلتها. من هنا لم تكن النقابة عنده أداة تفاوضية فحسب، بل مؤسسة تأسيسية لإنتاج ذات جماعية جديدة، ذات قادرة على الفعل والاحتجاج والتنظيم. إن أول نقابة وأول إضراب لم يكونا حدثين اجتماعيين معزولين، بل لحظة قطيعة رمزية مع صورة العامل الخاضع، وبداية تشكّل فاعل اجتماعي واعٍ بذاته، على نحو يذكّر بتحليل كارل بولاني لتحرير المجتمع من وهم السوق الطبيعية، أو بتحليل غرامشي لدور التنظيمات الشعبية في كسر الهيمنة.
في المقابل، اشتغل الطاهر الحداد على مستوى يبدو، ظاهريًا، بعيدًا عن الصراع الطبقي المباشر: الأسرة، المرأة، التعليم، وتأويل النص الديني. غير أن هذا الاشتغال كان، في عمقه، استهدافًا للخلية الأولى التي تُعاد فيها إنتاج الهيمنة. فالأسرة الأبوية التقليدية ليست عند الحداد بنية أخلاقية محايدة، بل جهازًا رمزيًا لإعادة إنتاج الطاعة، وإقصاء المرأة، وتكريس لا مساواة تُطَبَّع منذ الطفولة. ومن هنا فإن مشروعه النسوي والتعليمي لا ينفصل عن مشروع تحرري أشمل، يلتقي مع ما سيصوغه لاحقًا فانون حين اعتبر أن الاستعمار يشتغل على الأجساد والعقول معًا، وأن تحرير الإنسان يمر عبر تفكيك البنى النفسية والاجتماعية التي تشرعن خضوعه.
ضمن هذا الأفق، تغدو النقابة والمدرسة مؤسستين مضادتين للهيمنة: الأولى تفكك علاقات الخضوع في مجال العمل، والثانية تفككها في مجال التنشئة والمعنى. ولا يعود حضور الطاهر الحداد القوي في أول إضراب قاده الحامي تفصيلاً تاريخيًا، بل شاهدًا على وعي مبكر بوحدة المعركة: فلا فعل اجتماعي يدوم دون إعادة تأسيس للشرعية والمعنى، ولا إصلاح ثقافي يتحقق دون سند اجتماعي منظَّم. هنا تتجلى أصالة المشروعين: فالحامي لم يستورد النقابة كنموذج جاهز، والحداد لم ينقل خطاب تحرير المرأة نقلًا حرفيًا، بل ابتدع كلٌّ منهما، داخل شروط الاستعمار، شكلًا محليًا للحداثة، حداثة لا تطلب الاعتراف من المركز، بل تُنتِج مشروعيتها من قدرتها على تفجير الواقع القائم.
يتحرك هذا الأفق المقاوم ضمن شروط إمكان دقيقة: تسارع تفكك البنى التقليدية تحت ضغط الاستعمار، تشكّل فاعلين جدد (العامل المنظَّم، المرأة المتعلّمة)، وظهور نمط من المثقف العضوي، لا يكتفي بالتنظير ولا يذوب في الفعل، بل يقيم في منطقة التوتر بينهما. في هذا المعنى، لا يمثل الحامي والحداد مرحلتين منفصلتين في تاريخ الفكر الاجتماعي التونسي، بل لحظة واحدة كثيفة، لحظة وعي بأن الحداثة ليست استيرادًا ولا إصلاحًا تدريجيًا، بل فعل مقاومة يطال بنية الاجتماع ومعناه في آن.
حداثة اللامركز: تجربة الحامي والحداد بين ابتكار المقاومة وإعادة تعريف المشروع الوطني:
إذا أُدرجت تجربة محمد علي الحامي والطاهر الحداد ضمن أفق ما يمكن تسميته بـ حداثة اللامركز، فإننا لا نكون بصدد إلحاق التجربة التونسية بهامش الحداثة الغربية، بل بالعكس، نعيد الاعتبار إلى حداثة تُنتج من الأطراف، من الهوامش الاجتماعية والجغرافية والرمزية، خارج منطق المركز المهيمن، سواء كان هذا المركز استعماريًا أو ثقافيًا أو دولتيًا. فالحامي والحداد لا يمثلان "نقلًا ناقصًا" لنماذج أوروبية، بل يشكّلان، كلٌّ بطريقته، ابتكارًا محليًا لشكل حداثي مقاوم، يلتقي مع ما عبّر عنه لاحقًا والتر منيولو حين ميّز بين الحداثة بوصفها مشروع هيمنة، والحداثة بوصفها أفقًا للتحرر من داخل السياقات المستعمَرة.
من هذا المنظور، لا تنتمي النقابة التي أسسها محمد علي الحامي إلى تاريخ الحركة العمالية الأوروبية إلا بقدر ما تنتمي، في العمق، إلى تاريخ مقاومة الاستعمار. فهي ليست امتدادًا لمركز صناعي متقدم، بل أداة لإعادة تنظيم قوة عمل خاضعة لاقتصاد استعماري تابع. هنا تلتقي تجربة الحامي مع ما حلّله أنطونيو غرامشي حول ضرورة بناء مؤسسات مضادة للهيمنة داخل المجتمع المدني، ومع ما سيطوره لاحقًا إدوارد طومسون حول تشكّل الطبقة العاملة بوصفه عملية ثقافية وأخلاقية بقدر ما هي اقتصادية. إن النقابة، في هذا السياق، ليست تقنية تنظيمية، بل فضاء لإنتاج وعي جمعي من الهامش وضمنه.
أما الطاهر الحداد، فإن إدراجه في حداثة اللامركز يقتضي إخراجه من التصنيفات الاختزالية التي تحصره في كونه "مصلحًا دينيًا"أو"مدافعًا عن المرأة". فمشروعه، المتكوّن داخل الزيتونة والمنفتح على الفكر الإصلاحي وحركة الشباب، يشتغل على تفكيك البنية الرمزية التي يستند إليها كل نظام هيمنة:الأسرة الأبوية، تأويل النص، الشرعية الأخلاقية. في هذا المعنى، يلتقي الحداد مع ما سيصوغه بيير بورديو لاحقًا حول العنف الرمزي، ومع تحليلات فانون للاستعمار بوصفه نظامًا يعيد إنتاج ذاته داخل العلاقات العائلية والتمثلات اليومية. إن حداثة الحداد ليست حداثة "علمنة فوقية"، بل حداثة تنبع من الداخل الثقافي نفسه، وتُعيد ترتيب العلاقة بين النص، والعقل، والواقع الاجتماعي.
تكتسب هذه القراءة المستندة الى مسلمة: القول باللامركزية، قوتها حين نضع التجربتين معًا. فحضور الطاهر الحداد القوي في أول إضراب قاده الحامي يكشف وعيًا مبكرًا بأن الحداثة لا تُبنى من موقع واحد: لا من الاقتصاد وحده، ولا من الثقافة وحدها. – اذ ما دام المجتمع لم ينتج بعد قاعدته العلمية أو تحوله السياسي المنشود-، فان حداثة الحامي والحداد سوفتتقاطع بوصفهاتجربة تونسية جريئة، مع تجارب كونية أخرى في الجنوب العالمي: مع غاندي حين ربط بين العصيان المدني وإعادة تشكيل الذات الأخلاقية، ومع أميلكار كابرال حين شدد على أن التحرر الوطني لا ينجح دون تحرير الثقافة، ومع فانون حين اعتبر أن الاستقلال السياسي دون ثورة اجتماعية وثقافية يظل استقلالا منقوصًا.
أما عن استتباعات هذه الحداثة اللامركزية على المشروع الوطني التونسي، فهياستتباعات عميقة ومقلقة في آن. فمن جهة، تكشف تجربة الحامي والحداد عن أن المشروع الوطني لم يكن، في بداياته، مشروع دولة مركزية قوية بقدر ما كان مشروع مجتمع يعيد تنظيم ذاته من الأسفل. ومن جهة أخرى، تفسر هذه القراءة لماذا قامت الدولة الوطنية لاحقًا بتبنّي بعض عناصر المشروعين (حقوق المرأة، التنظيم النقابي) مع تفريغهما من طابعهما النقدي والجذري، وتحويلهما إلى أدوات إدماج وضبط. هنا يظهر ما يسميه جيمس سكوت "تبسيط الدولة للواقع الاجتماعي"، حيث تُستوعب الحداثة المقاومة داخل جهاز مركزي يُعيد إنتاج الهيمنة باسم النظاموالتقدم.
إن إدراج تجربة الحامي والحداد ضمن حداثة اللامركز يفرض، بالتالي، إعادة التفكير في المشروع الوطني التونسي نفسه: لا بوصفه مسارًا خطيًا نحو الدولة الحديثة، بل باعتباره سلسلة توترات بين حداثة مُبتدَعة من الهامش، وحداثة مُقنَّنة من المركز. وفي هذا التوتر بالذات تكمن راهنية التجربة اليوم، إذ تذكّرنا بأن الحداثة ليست نموذجًا يُستكمل، بل سؤالًا مفتوحًا حول من ينتج المعنى، ومن ينظم الاجتماع، ومن يملك حق تعريف المستقبل. وفعلا فقد ألغت مركزية الدولة الحديثة كل دور للامركز وانجزت تفاوضا لمصلحتها مع كل من تناسلتهم أنظمة الحكم منذ العهد الحفصي بما في ذلك الحلقة المقربة من دائرة المستعمر، تم كل ذلك، لاستنساخ شعارات المركز الأوربي في عناوين تنموية ضمن دولة الاستقلال.
حداثة اللامركز وشروط إمكان المشروع الوطني: من تجربة الحامي والحداد إلى سؤال الدولة والمجتمع
إن إدراج تجربة محمد علي الحامي والطاهر الحداد ضمن أفق حداثة اللامركز يفرض قطيعة منهجية مع سردية ترى الحداثة الوطنية مسارًا خطيًا ينطلق من النخبة، ويتجسد في الدولة، ويكتمل بالتقنين. فهذان التجربتان تكشفان، على العكس من ذلك، أن الحداثة التونسية المبكرة تشكّلت أولًا خارج المركز:خارج المركز الاستعماري، وخارج المركز المخزني، وخارج المركز الثقافي التقليدي، أي تولّدت بوصفها ممارسة مقاومة تُنتج من الهامش الاجتماعي والرمزي معًا. وبهذا المعنى، لا تكون الحداثة هنا "احاقًا" بالغرب، بل هي ما يسميه والتر منيولو تفكيرًا حداثيًا من موقع الاختلاف الاستعماري، أي حداثة تُنتج وعيها النقدي من داخل علاقات الهيمنة وضدها، لا من خارجها.
لقد اشتغل الحامي والحداد داخل فضاء واحد وإن بأداتين مختلفتين: تفكيك شروط الخضوع وإعادة بناء الذات الاجتماعية. فالنقابة التي أسسها الحامي لا يمكن فهمها كامتداد تقني للنقابات الأوروبية، لأن السياق الاستعماري يحوّلها إلى فعل سيادي مصغّر داخل مجتمع منزوع السيادة. هنا تلتقي تجربته مع تحليل غرامشي للمجتمع المدني بوصفه ساحة الصراع الحقيقي حول الهيمنة، ومع قراءة إدوارد طومسون لتشكل الطبقة العاملة كعملية تاريخية-ثقافية، لا كنتيجة ميكانيكية لعلاقات الإنتاج. ان النقابة، في هذا الأفق، ليست جهاز مطالب، بل مدرسة سياسية لإنتاج الفاعل الجماعي، أي هي الشرط الأول لكل مشروع وطني غير تابع.
في المقابل، يشتغل الطاهر الحداد على مستوى يبدو أقل صخبًا لكنه أكثر جذرية: مستوى إعادة تعريف المعنى. فبتفكيكه للأسرة الأبوية، ولنظام الطاعة الذي يشرعن دونية المرأة، وللاحتكار الفقهي للتأويل، يستهدف الحداد البنية الرمزية التي تجعل الهيمنة مقبولة وطبيعية. هنا تتقاطع تجربته مع ما سيصوغه لاحقًا بيير بورديو حول العنف الرمزي، ومع فانون حين بيّن أن الاستعمار لا يستمر بالقوة المسلحة فقط، بل بإعادة إنتاج ذاته داخل العائلة، والمدرسة، واللغة. ان حداثة الحداد ليست علمنة شكلية، بل إعادة تسييس للثقافة، تجعل من التعليم والدرس فضاءً لتحرير العقل لا لتطبيع الخضوع.
تكمن قوة القراءة اللامركزية في الجمع بين المسارين: فحضور الطاهر الحداد القوي في أول إضراب قاده الحامي ليس واقعة عرضية، بل علامة على وعي مبكر بوحدة المعركة. إننا إزاء ما يمكن تسميته، مع أميلكار كابرال، وحدة التحرر الاجتماعي والتحرر الثقافي: فلا فاعلية سياسية دون ذات واعية، ولا وعي نقدي دون سند اجتماعي منظّم. بهذا المعنى، تمثل تجربة الحامي والحداد شكلًا مبكرًا لما سيُعرف لاحقًا في الجنوب العالمي بحداثات بديلة: عند غاندي (التحرر الأخلاقي والسياسي)، وعند فانون (الثورة الاجتماعية بوصفها إعادة خلق للإنسان)، وعند بولاني (تحرير المجتمع من اختزال الاقتصاد).
انطلاقًا من هذا، يمكن استخلاص شروط إمكان حداثة وطنية تونسية غير تابعة:
1. أولوية المجتمع على الدولة: الحداثة لا تبدأ بالتقنين، بل بتشكّل فاعلين اجتماعيين مستقلين (النقابة، المدرسة، الفضاء العمومي). الدولة التي تسبق المجتمع تُحوّل الحداثة إلى تقنية ضبط.
2. تكامل الفعل والمعنى: لا حداثة اجتماعية دون إعادة تأسيس للشرعية الرمزية (الأسرة، التعليم، الدين)، ولا إصلاح ثقافي دون تنظيم اجتماعي قادر على حمايته. هذا ما فشلت الدولة الوطنية لاحقًا في الحفاظ عليه حين فصلت بين الاتحاد العام للشغل كجهاز إدماج، ومجلة الأحوال الشخصية كإنجاز قانوني منزوع الجذور الاجتماعية.
3. المثقف "العضوي-المنخرط" لا الخبير التقني: الحامي والحداد يمثلان نموذج المثقف المنخرط في صراع اجتماعي حيّ، لا نموذج الخبير الذي تدمجه الدولة. هنا يصدق تحذير غرامشي من تحوّل المثقفين إلى موظفين للهيمنة.
4. الحداثة كعملية مفتوحة لا كنموذج مكتمل: تجربة الحامي والحداد تبيّن أن الحداثة الوطنية ليست مرحلة تُنجز ثم تُغلق، بل توتر دائم بين المركز والهامش، بين الدولة والمجتمع، بين التقنين والمقاومة.
بهذا المعنى، لا تكمن راهنية هذه التجربة في تمجيد الماضي، بل في قدرتها على مساءلة الحاضر: فكل مشروع وطني يتجاهل جذوره الاجتماعية والثقافية العميقة، ويختزل الحداثة في الدولة والضبط القانوني، يعيد إنتاج ما سماه جيمس سكوت تبسيط الدولة للواقع الاجتماعي، أي تحويل الحداثة إلى أداة سيطرة بدل أن تكون أفق تحرر. إن حداثة اللامركز، كما تكشفها تجربة الحامي والحداد، ليست بديلًا عن المشروع الوطني، بل هي شرط إمكانه الحقيقي.
بقلم: د.خميّس بوعلي باحث من تونس