التمويل المباشر للخزينة من قبل البنك المركزي التونسي (2024–2026) إجراء ظرفي، رهان على الاستقلالية، ومجال مفتوح للمخاطر

اتخذت الدولة التونسية منذ سنة 2024 قرارًا مفصليًا

يتمثل في اللجوء إلى التمويل المباشر للخزينة من قبل البنك المركزي التونسي، وذلك عبر آلية استثنائية خالفت الإطار القانوني المعتمد منذ سنة 1988 والذي تم تأكيده سنة 2016. هذا القرار لا يندرج فقط ضمن أدوات السياسة الميزانية، بل يعكس اختيارًا سياسيًا واقتصاديًا يهدف إلى ضمان استمرارية الدولة وتفادي التعثر في السداد، في سياق يتسم بندرة الموارد الخارجية، وضعف النمو الاقتصادي، وارتفاع التوترات.

غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته الظرفية، يطرح تساؤلات جوهرية حول كلفته المستقبلية، وحدود نجاعته، ومخاطره على الاستقرار النقدي والمالي، وهو ما يفسر تباين مواقف الاقتصاديين بشأنه.

أولًا: تسلسل الإجراءات – من الاستثناء إلى الأداة المتكررة

انطلقت هذه السياسة مع القانون عدد 10 لسنة 2024 المؤرخ في 7 فيفري 2024، الذي خوّل للبنك المركزي منح تسهيلات لفائدة الخزينة العامة في حدود 7 مليار دينار، دون فوائد، وبمدة سداد تمتد إلى 10 سنوات منها 3 سنوات إمهال، وذلك بصفة استثنائية وبمنأى عن الفصل 25 من قانون البنك المركزي لسنة 2016. وقد جاء هذا القرار في سياق ضاغط، تميز بضرورة تسديد التزامات خارجية عاجلة، خاصة ديون سيادية مستحقة في بداية سنة 2024، في ظل صعوبات النفاذ إلى الأسواق المالية الدولية.

في قانون المالية لسنة 2025، تم إدراج هذا الإجراء صلب قانون المالية، مع اضافة سقف تمويل جديد بمبلغ مماثل (7 مليار دينار)، ولكن مع تمديد أجل السداد إلى 15 سنة، منها 3 سنوات إمهال، ودون فوائد. ويُعد هذا التمديد مؤشرًا واضحًا على أن الآلية لم تعد مجرد جسر ظرفي للسيولة، بل أصبحت عنصرًا من عناصر إدارة الدين العمومي الداخلي.

أما في قانون المالية لسنة 2026، فقد تم رفع مبلغ التمويل إلى 11 مليار دينار، مع الإبقاء على نفس الخصائص العامة (تمويل دون فوائد، آجال طويلة، واتفاقيات تنفيذ بين وزارة المالية والبنك المركزي). عند هذه المرحلة، يصبح من الصعب توصيف الإجراء كاستثناء عابر، بل كخيار هيكلي في سياسة تمويل الميزانية.

لماذا يختلف الاقتصاديون؟ قراءتان لمخاطر واحدة

لا يختلف الاقتصاديون حول وجود أزمة تمويل حقيقية، بل حول تقييم كلفة الحل.

يركز المعارضون لهذا الخيار على أربعة مخاطر رئيسية:

• المخاطر التضخمية: يعتبر تمويل الميزانية عبر البنك المركزي شكلًا من أشكال “تسييل العجز”، أي ضخ سيولة لا يقابلها نمو في الإنتاج، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية. ويستند هذا التحليل إلى نظريات معروفة في الاقتصاد النقدي حول “هيمنة السياسة الميزانية” على السياسة النقدية.

• الضغط على سعر الصرف والاحتياطي من العملة الصعبة: في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الواردات، يمكن أن يتحول التضخم بسرعة إلى طلب إضافي على العملات الأجنبية، بما يضعف الدينار ويستنزف الاحتياطي.

• المساس باستقلالية البنك المركزي: يرى منتقدو الإجراء أن تكرار اللجوء إلى التمويل المباشر يُفرغ مبدأ استقلالية البنك المركزي من محتواه، ويحوّل المؤسسة النقدية إلى ممول دائم للميزانية، وهو ما يضر بالمصداقية الداخلية والخارجية للبنك المركزي والاقتصاد ككل.

• إزاحة تمويل القطاع الخاص: حين تستحوذ الدولة على الموارد المحلية، تتراجع قدرة المؤسسات الاقتصادية على النفاذ إلى التمويل، مما يضعف الاستثمار والنمو.

في المقابل، يرى المدافعون عن هذا التوجه أنه خيار اضطراري تفرضه الظروف:

• تفادي التعثر وضمان استمرارية الدولة: في غياب تمويل خارجي كافٍ، يصبح البنك المركزي هو “الملاذ الأخير” لتفادي توقف الدولة عن السداد أو تعطّل الخدمات العمومية.

• تعزيز هامش الاستقلالية السياسية: يُقدَّم التمويل الداخلي كبديل عن الاقتراض المشروط من المؤسسات الدولية وما يرافقه من التزامات إصلاحية قد تكون اجتماعيًا وسياسيًا مكلفة.

• كلفة ظاهرية أقل: من الناحية المحاسبية، التمويل دون فوائد يخفف الضغط الفوري على ميزانية الدولة مقارنة بالاقتراض التقليدي، وإن كان هذا لا يعني غياب كلفة اقتصادية غير مباشرة.

دروس من التجارب الدولية: الاستثناء له ثمن

تُظهر التجارب المقارنة أن التمويل المباشر للدولة من البنك المركزي نادرًا ما يبقى دون كلفة إذا طال أمده.

في دول مثل الأرجنتين، أدى الاعتماد المتكرر على هذا الأسلوب إلى موجات تضخم حادة وفقدان الثقة في العملة. وعلى العكس، فإن مسارات الاستقرار في هذه الدول غالبًا ما بدأت مع الحد من التمويل النقدي وتعزيز استقلالية البنك المركزي. حتى في دول إفريقية مثل غانا ونيجيريا، حيث استُخدم التمويل المباشر في فترات توتر مالي. انتهت النقاشات بإصلاحات قانونية تهدف إلى تشديد القيود على هذا النوع من التمويل بعد انكشاف مخاطره. والخلاصة من هذه التجارب واضحة: التمويل المباشر قد يكون أداة أزمة، لكنه يصبح مصدر عدم استقرار إذا تحول إلى قاعدة.

تقييم موضوعي للحالة التونسية

موضوعيًا، مكّن هذا الخيار تونس من كسب الوقت وتفادي صدمات فورية. لكنه يظل حلًا قصير الأجل لا يعالج جذور الأزمة.

فهو لا يخلق نموًا ولا موارد جديدة، ولا يحل معضلة التوازن الخارجي، وقد يؤدي، إذا تواصل، إلى نقل الكلفة من بند “الفوائد” إلى التضخم، وسعر الصرف، وضعف الاستثمار. كما أن الارتفاع المتدرج في سقف التمويل (رصيد متراكم في نهاية 2025 بواقع 11 مليار دينار مع 11 مليار إضافية وفق قانون المالية لسنة 2026) يعكس تزايد الاعتماد على هذه الآلية، وهو ما يقوض فكرة الاستثناء.

خاتمة: الاستقلالية لا تُموَّل بطباعة النقود

يمكن الدفاع عن التمويل المباشر كخيار سيادي ظرفي، لكن الاستقلالية الاقتصادية الحقيقية لا تتحقق عبر استبدال الدائن الخارجي بالبنك المركزي، بل عبر بناء اقتصاد قادر على توليد النمو والادخار والعملات الصعبة. دون ذلك، يبقى التمويل المباشر مجرد أداة لشراء الوقت، بثمن قد يظهر لاحقًا في شكل تضخم وهشاشة نقدية وتراجع قدرة الاقتصاد الحقيقي على النهوض.

السؤال الحقيقي ليس: هل نلجأ إلى البنك المركزي أم لا؟ بل: كيف نخفض أصلًا حاجتنا إلى التمويل؟

بقلم: أنيس الوهابي خبير محاسب ومحلل اقتصادي 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115