لماذا فنزويلا؟

عملية تتجاوز البعد الأمني

في ليلة الثاني والثالث من جانفي 2026، نفّذت القوات الخاصة الأمريكية عملية عسكرية في قلب العاصمة الفنزويلية كاراكاس، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، قبل نقلهما جواً إلى نيويورك. ما أطلقت عليه واشنطن اسم "عملية العزم المطلق" لا يمكن اختزاله في مجرد عمل أمني استعراضي أو إجراء قضائي استثنائي، بل يمثل تجسيداً صارخاً لمنطق جيوسياسي يعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بعيداً عن الأطر القانونية التقليدية.
من المنظور القانوني الصرف، تشكل العملية انتهاكاً صريحاً لمبادئ القانون الدولي المستقرة منذ عقود: احترام السيادة الوطنية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، حظر استخدام القوة المسلحة في العلاقات الدولية، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. هذه الانتهاكات واضحة ولا تحتاج إلى برهان معقد. لكن السؤال الجوهري الذي يستحق التمحيص ليس ما إذا كانت العملية قانونية أم لا، بل لماذا رأت الإدارة الأمريكية، في مطلع عام 2026، أن تجاوز هذه الخطوط الحمراء أصبح ضرورة استراتيجية لا مفر منها؟
الذريعة الأمنية: حرب المخدرات كغطاء سياسي
قدمت إدارة دونالد ترامب العملية للرأي العام الأمريكي والعالمي باعتبارها انتصاراً تاريخياً في "الحرب على الإرهاب المرتبط بالمخدرات". وفق الرواية الرسمية، يُتهم نيكولاس مادورو وشبكة من المسؤولين الفنزويليين رفيعي المستوى بتنظيم وإدارة شبكة دولية معقدة لتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة، بالتعاون الوثيق مع فصائل منشقة عن القوات المسلحة الثورية الكولومبية وكارتلات المخدرات المكسيكية. لائحة الاتهام الفيدرالية الجديدة، التي نُشرت في الرابع من جانفي، أضافت إلى هذه الاتهامات جرائم حيازة أسلحة ثقيلة ومتفجرات، مشكّلة بذلك ملفاً جنائياً ضخماً يبرر، من وجهة النظر الأمريكية، هذا التدخل الاستثنائي.
الخطاب المُعلن يبدو بسيطاً ومباشراً: حماية المجتمع الأمريكي من آفة المخدرات القاتلة التي تحصد أرواح عشرات الآلاف سنوياً. غير أن هذا التفسير يتهاوى أمام أدنى فحص تاريخي. فالولايات المتحدة أظهرت، على مدى عقود، قدرة مذهلة على التعايش مع تدفق المخدرات من دول حليفة أو ذات أهمية استراتيجية، بل وثبت تورط أجهزة استخباراتية أمريكية في تسهيل بعض عمليات التهريب حين خدم ذلك أولويات الحرب الباردة في أمريكا الوسطى وجنوب شرق آسيا.
إذن، المسألة الحقيقية لا تكمن في كمية الكوكايين العابرة عبر الأراضي الفنزويلية بقدر ما تتعلق بالموقع الاستراتيجي الاستثنائي لدولة تمتلك أضخم احتياطيات نفط مؤكدة في العالم، إذ تتجاوز 300 مليار برميل، أي أكثر من المملكة العربية السعودية نفسها، القوة النفطية التقليدية. هذا الكنز الطاقوي، في سياق عالمي يشهد تصاعد التنافس على الموارد، يحوّل فنزويلا من مجرد دولة مارقة إلى هدف استراتيجي من الدرجة الأولى.
المحور الثلاثي: بكين وموسكو وطهران في كاراكاس
على مدى أكثر من عقد من الزمن، تحولت فنزويلا إلى نقطة ارتكاز جيوسياسية محورية للقوى الدولية الساعية إلى الطعن في الهيمنة الأمريكية الأحادية على نصف الكرة الغربي. هذا التطور لم يكن عرضياً، بل نتيجة مباشرة لسياسة خارجية متعددة الأقطاب تبناها هوغو تشافيز، ثم خليفته مادورو، بهدف كسر العزلة الأمريكية والبحث عن حلفاء استراتيجيين بديلين.
استثمرت الصين الشعبية عشرات المليارات من الدولارات في فنزويلا، مركّزة بشكل رئيسي على قطاع الطاقة والبنية التحتية. هذه الاستثمارات لم تكن عملاً خيرياً، بل صفقات محسوبة بدقة تضمن لبكين إمدادات طاقوية طويلة الأجل في إطار استراتيجيتها الأشمل لتأمين موارد الطاقة عبر العالم. بالنسبة للصين، التي تتطلع لتحدي الهيمنة الأمريكية عالمياً، تمثل فنزويلا رأس جسر استراتيجي في "الفناء الخلفي" لواشنطن نفسها، رسالة رمزية بقدر ما هي اقتصادية.
أما روسيا، فقد عززت حضورها عبر شركة روسنفت النفطية العملاقة، التي استحوذت على حصص مهمة في عدة حقول نفطية فنزويلية. لكن الوجود الروسي لا يقتصر على البعد الاقتصادي، إذ تحتفظ موسكو بحضور أمني واستخباراتي غير معلن، يتجسد في مستشارين عسكريين ومعدات متطورة وقدرات تجسس إلكترونية، مما يمنحها نفوذاً عميقاً في الشؤون الأمنية الفنزويلية.
إيران، من جانبها، طورت مع كاراكاس تعاوناً استراتيجياً وثيقاً يجمع بين التبادلات الطاقوية والشراكات الصناعية والتعاون العسكري والتكنولوجي. هذا المحور، الذي يُقدَّم إعلامياً على أنه مجرد تقارب أيديولوجي بين نظامين "معاديين للإمبريالية"، يحمل في الواقع بعداً عملياً محسوباً بدقة: إذ يتيح لكل طرف التحايل على العقوبات الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية، مع إظهار موقف تحدٍّ واضح تجاه واشنطن وحلفائها الغربيين.
تشكل هذه التحالفات الثلاثية، من المنظور الأمريكي، مصدر إزعاج استراتيجي متعدد الأبعاد. فهي، أولاً، تُضعف بشكل كبير فعالية العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على فنزويلا منذ سنوات. ثانياً، تمنح بكين وموسكو نفوذاً دائماً ومتصاعداً في أمريكا اللاتينية، المنطقة التي طالما اعتبرتها واشنطن "فناءها الخلفي" الحصري. ثالثاً، وهو الأخطر، تثبّت على أعتاب الولايات المتحدة نفسها شريكاً استراتيجياً لإيران، الخصم الإقليمي الأول لأمريكا وإسرائيل في الشرق الأوسط.
الاستمرارية التاريخية: من مونرو إلى ترامب
لفهم التدخل الأمريكي الحالي، لا بد من وضعه في سياقه التاريخي الطويل. فالولايات المتحدة لم تنظر يوماً إلى أمريكا اللاتينية كمنطقة دول مستقلة ذات سيادة متساوية، بل كفضاء حيوي خاضع لمنطق الهيمنة الطبيعية. منذ عام 1823، أرست مبادئ مونرو، التي صاغها الرئيس جيمس مونرو، القاعدة الاستراتيجية الأساسية: استبعاد أي تدخل أو نفوذ للقوى الأوروبية في نصف الكرة الغربي. هذه المبادئ، التي قُدمت في حينها كدفاع عن استقلال الجمهوريات اللاتينية الوليدة، تحولت سريعاً إلى تبرير أيديولوجي لهيمنة أمريكية معلنة.
على مدى قرنين من الزمن، ترجمت هذه الهيمنة إلى تدخلات عسكرية مباشرة، وانقلابات مدعومة استخباراتياً، وضغوط اقتصادية مدمرة، ودعم سخي لأنظمة ديكتاتورية قمعية طالما اعتُبرت متوافقة مع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأمريكية. من غواتيمالا عام 1954، حيث أطيح بحكومة أربينز المنتخبة ديمقراطياً، إلى تشيلي عام 1973 وسقوط حكومة سالفادور أليندي، مروراً بغزو بنما عام 1989 واعتقال رئيسها مانويل نورييغا، يحفل التاريخ الإقليمي بحلقات دامية خُضعت فيها سيادة الدول اللاتينية للأولويات الاستراتيجية الأمريكية دون اعتبار لإرادة الشعوب أو القانون الدولي.
فنزويلا الشافيزية، بخطابها الراديكالي المناهض للإمبريالية وتحالفاتها البديلة غير المسبوقة، وضعت نفسها تدريجياً خارج النطاق المقبول أمريكياً. هذا الخروج عن السيطرة، المقرون بالثروة النفطية الهائلة، جعلها هدفاً محتوماً للتدخل الأمريكي، كان السؤال فقط متى وبأي صيغة.
مبادئ مونرو النسخة الثانية: عودة الصراحة الإمبراطورية
في عهد رئاسة دونالد ترامب الثانية، أُعلن هذا المنطق الإمبراطوري القديم دون مواربة أو تجميل بلاغي. ما يمكن تسميته "مبادئ مونرو 2.0" لم تعد تستهدف القوى الأوروبية الاستعمارية القديمة فحسب، بل كل قوة عالمية تسعى للاستقرار بشكل دائم ومؤثر في نصف الكرة الغربي. الصين وروسيا وإيران تُصنَّف صراحة، في الخطاب الرسمي الأمريكي، كجهات فاعلة عدائية يجب احتواؤها وطردها من المنطقة بأي ثمن.
الخطاب الذي ألقاه الرئيس ترامب في الرابع من جانفي 2026، عقب إعلان نجاح العملية، كان كاشفاً بوضوح صادم. أعلن ترامب أن الولايات المتحدة مستعدة "لقيادة فنزويلا مؤقتاً" من أجل "استقرارها" وضمان استغلال مواردها الطاقوية الهائلة باسم "الأمن العالمي" و"حماية المصالح الغربية". هذه الصيغة اللغوية، التي تذكّر بالخطاب الاستعماري الكلاسيكي، تختزل رؤية للعالم يتزاوج فيها الادعاء الأخلاقي بـ"نشر الديمقراطية والاستقرار" مع الواقعية السياسية الصارخة القائمة على القوة العارية والمصالح المباشرة.
سيناريوهات المستقبل: بين الانهيار والمقاومة
اعتقال نيكولاس مادورو لا يضع حداً للأزمة الفنزويلية، بل يفتح باباً واسعاً أمام سيناريوهات متعددة، كلها محفوفة بالمخاطر والشكوك. المستقبل القريب لفنزويلا يبقى مفتوحاً على احتمالات متباينة، يحمل كل منها تداعيات عميقة على المنطقة والنظام الدولي برمته.
السيناريو الأول، وهو الأقل دموية لكن الأكثر إذلالاً للسيادة الوطنية، يتمثل في انهيار سريع للنظام القائم. إذا اختارت القيادات العسكرية الفنزويلية، المضعفة بالانقسامات الداخلية وشبكات الفساد المتشابكة، الحياد أو حتى التعاون مع واشنطن مقابل ضمانات شخصية، فقد تنصّب الإدارة الأمريكية حكومة انتقالية موالية تماماً لمصالحها الاستراتيجية. في هذا السيناريو، ستستعيد شركات الطاقة الغربية الكبرى، خاصة الأمريكية، امتيازاتها التاريخية في قطاع النفط، وتُدمج فنزويلا مجدداً بالكامل في المدار الدبلوماسي والاقتصادي الأمريكي، منهية بذلك عقدين من سياسة الاستقلال النسبي.
السيناريو الثاني، الأكثر صراعية وإراقة للدماء، قد يشهد ظهور مقاومة مسلحة واسعة، حضرية وريفية، تجمع بين ضباط موالين للشافيزية وميليشيات شعبية ومجموعات مسلحة متنوعة. مثل هذه الديناميكية، خاصة إذا حظيت بدعم خارجي من روسيا أو إيران أو الصين أو حتى كوبا، قد تحول البلاد إلى ساحة استنزاف استراتيجي طويل الأمد، تذكّر بالمستنقعات الدموية التي غرقت فيها واشنطن في العراق وأفغانستان وفيتنام. في هذه الحالة، فإن الكلفة البشرية والمادية ستكون كارثية على كل الأطراف.
السيناريو الثالث، والأكثر تعقيداً، يتمثل في تشدد سلطوي داخلي مصحوب بتفتت إقليمي فعلي للدولة الفنزويلية. بعض المناطق، خاصة الغنية بالنفط، قد تفلت بشكل دائم من سيطرة أي سلطة مركزية، سواء موالية لأمريكا أو معادية لها، مما يفتح الباب أمام عدم استقرار مزمن وانتشار الجماعات المسلحة والاقتصاد الموازي القائم على التهريب والجريمة المنظمة. هذا الوضع قد يحول فنزويلا إلى "دولة فاشلة" بالمعنى الحرفي، مع تداعيات كارثية على دول الجوار.
أخيراً، وأياً كان المسار الذي ستسلكه الأحداث، فإن الكلفة الإنسانية ستكون باهظة بشكل مأساوي. أزمة اقتصادية أعمق، نقص حاد في المواد الأساسية والأدوية، انهيار الخدمات العامة، وموجات هجرة جماعية جديدة: الشعب الفنزويلي، الذي يعاني أصلاً من سنوات من الأزمات المتراكمة، معرض لأن يكون الضحية الرئيسية، مرة أخرى، لصراع جيوسياسي يتجاوز قدرته على التأثير فيه.
نحو نظام عالمي جديد؟
في نهاية التحليل، لا يمكن اختزال التدخل الأمريكي في فنزويلا في مجرد عملية شرطية دولية واسعة النطاق، ولا في ثأر شخصي من نظام معادٍ، ولا حتى في مجرد صراع على النفط، رغم أهميته. العملية تكشف عن إعادة تشكيل عنيفة ومتسارعة لموازين القوى الدولية، حيث يتفوق التنافس الخام على الموارد الاستراتيجية ومناطق النفوذ الجيوسياسي الآن، بشكل سافر وغير مسبوق، على الأشكال الكلاسيكية للشرعية الدولية والقانون الدولي والقيم المعلنة لحقوق الإنسان والسيادة الوطنية.
فنزويلا اليوم هي مسرح تجريبي لهذا النظام العالمي الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا، نظام تعود فيه لغة القوة العارية إلى الواجهة، وتتراجع فيه المؤسسات الدولية إلى أدوار هامشية. السؤال الكبير يبقى مفتوحاً، ليس فقط بالنسبة لفنزويلا، بل للعالم أجمع: إلى أي مدى سيستمر هذا المنطق الإمبراطوري الجديد؟ وبأي ثمن بشري واقتصادي وأخلاقي على النظام العالمي، المتزعزع أصلاً بفعل أزمات متعددة؟ وهل سيبقى المجتمع الدولي عاجزاً أمام هذا الانقلاب الصريح على مبادئ القانون الدولي، أم أننا على أعتاب ولادة أشكال جديدة من المقاومة والتضامن الدولي؟
المستقبل وحده كفيل بالإجابة، لكن الدروس التي تقدمها الحالة الفنزويلية اليوم تبقى مقلقة للغاية بالنسبة لكل دولة خارج المدار الغربي المباشر، وتنذر بعودة عصر الإمبراطوريات العارية، حيث تسود شريعة الغاب المُعاد تغليفها بخطاب أخلاقي وأمني واهٍ.
بقلم أمين بن خالد

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115