الدفعة الثانية من الجلسات العلنية لضحايا الانتهاكات: شهادات على العصر وسيناريوهات عنوانها المشترك «مأساة فاقت الخيال، تعذيب وحشي وإنسانية غائبة»

بعد الانطلاقة الأولى لسلسة الجلسات العلنية لضحايا الانتهاكات الجسيمة في نوفمبر المنقضي انطلقت هيئة الحقيقة والكرامة في دفعة أخرى من تلك الجلسات وذلك يومي 16 و17 ديسمبر الجاري،تزامنا مع إحياء الذكرى السادسة للثورة التونسية. مقر صندوق الحيطة والتقاعد للمحامين

بالمركز العمراني الشمالي هو المكان الذي احتضن هذا «الحدث» وصدح فيه الضحايا بحقائق دفنت في قلوبهم منذ سنوات فتصفحنا معهم كتاب الذكريات الأليمة التي عاشوها ليسجلها التاريخ.جلسات حضرها عديد الوجوه السياسية والفنية وغاب عنها الرئاسات الثلاث كما حدث في أولى الجلسات التي أقيمت بنادي عليسة بسيدي الظريف.

 

قصص وحكايات تقشعر لها الأبدان وتدمع لها الأعين والقلوب لبشاعتها والرسائل التي كان يراد تبليغها من خلال تلك الممارسات المهينة للإنسان والإنسانية ،أشخاص ذنبهم الوحيد أنهم قالوا كلمة حق أو اختاروا طريقا اقتنعوا به فدفعوا ثمنا باهظا.

تحرش ،محاولات اغتصاب وإجهاض
محرزية بن العابد ،اختارت أن تنتمي في 1980 إلى ما يعرف بالاتجاه الإسلامي فبدأت رحلة العذاب بين أروقة السجون ومراكز الإيقاف لتتواصل لسنوات ،حكاية روتها لنا صاحبتها والدموع تملأ عينيها ،محرزية تعرضت لشتى أنواع التعذيب والممارسات المهينة من ضرب وشتم وسب وكذلك محاولة تحرش من المدعو الأزهر الكافي آنذاك وقالت عنه «عندما رآني قال لهم خلوها عندي هذي فهو يتفنن في تعذيب النساء»،تعذيب خلف لها نزيفا لأنها كانت حاملا وقتها وكانت النتيجة حالة صحية متدهورة استوجبت نقلها إلى مستشفى شارنيكول لإجراء عملية إجهاض. اليوم وبعد الثورة يعتبر ميلاد جديد لمحرزية التي قالت بابتسامة على فمها «أردت التخلص من كابوس اسمه شارع الحبيب بورقيبة ووزارة الداخلية الذي كنت أخشى المرور منه ،زغردت عندما سمعت أن بن علي هرب كرامتي عادت وقتها والشعب اليوم يتنفس حرية فحافظوا عليها وإياكم والفرقة».

نجوى الرزقي اصيلة منطقة الكريب من ولاية سليانة اختارت هي الأخرى الانتماء إلى الاتحاد العام لطلبة تونس في التسعينات دون تفكير لأنها اقتنعت بتوجههم وحدثتنا اليوم عن سنوات الجمر التي قضتها بين السجون والمراقبة الإدارية فبدأت بهذه الكلمات «انحدر من عائلة فقيرة والدي كان يرعى أغنام احد الجزائريين، فقر مدقع ووجدت الاتحاد يدافع عن هذه الرسالة فانتميت اليه وفي يوم من الأيام بينما قررنا الاعتصام داخل كلية الآداب برقادة احتجاجا على الفصل 72 آنذاك داهم البوليس المكان ومن هنا انطلقت رحلة العذاب»،ومن المضحكات المبكيات أن واحدا من الذين كانوا الى جانب نجوى في المدرج اكتشفت فيما بعد أنه بوليس سياسي وضع لمراقبتها وحقق معها في منطقة الحرس بالقيروان ،8 ايام في الابحاث تحت الضرب والتهديد بالاغتصاب وإجبار على إمضاء المحاضر بالقوة، تواصل نجوى القول «تم إيداعنا بسجن سيدي حمد ثم إلى سجن المسعدين وحوكمت بعامين و4 اشهر سجن وتم تحويلي إلى سجن النساء بمنوبة. والدي كان سندي كان يزورني مرة كل شهر لأن الظروف لا تسمح وقال لي كلمة فيما كنت في يوم ما ابكي هزي راسك ماتبكيش أنت لا خطفتي و لاسرقتي» أما عن مرحلة ما بعد السجن وكانت عنوانها المراقبة الإدارية خاصة وان نجوى تزوجت من رفيقها عبد الجبار الذي عاش في السرية لمدة طويلة واضطرت للعمل في الفلاحة لتوفير لقمة عيشها وابنها الرضيع وسط تضييق كبير».

قصور كلوي،اخصاء عنوان لمأساة جديدة
قضية براكة الساحل كان لها نصيب في جلسات الاستماع حيث خرج العميد المتقاعد سالم كردون أصيل قرقنة عن صمته و روى قصته مع الجلادين التي انطلقت منذ افريل 1991 فقال «في فيفري 1991 تم تحوير وزاري والجيش في حالة تأهب بسبب حرب الخليج فتمت تسمية عبد الله القلال وزيرا للداخلية وترقية علي السرياطي إلى رتبة جنرال ومدير عام الأمن الوطني والحبيب فرزة الأمن العسكري ،في افريل 1991 وقعت توقيفات في كنف السرية بدعوى إننا في مهمة ليظهر عبد الله القلال ليقول أن هناك مؤامرة من الجيش ومن هنا كانت المأساة التي مررت بها والتي تفوق كل التوقعات والخيال بتهمة عقد اجتماع في براكة الساحل في محاولة للانقلاب على النظام ،نزعوا رتبتي وزيي العسكري وحولت إلى وزارة الداخلية الطابق الخامس أين استقبلت بالركل والضرب والشتم وجدت نفسي في غرفة عاري الجسد مكبلا بالسلاسل دامت المأساة وأثارها على جسدي شاهدة على العصر ذقت جميع انواع التعذيب، بقيت 3 سنوات مقعدا ،ثقب في المعدة،قصور كلوي حاد بل اكثر من ذلك تم إخصائي ولم اعد قادرا على الإنجاب، نقلت إلى المستشفى العسكري باسم مستعار وهو صالح الكواس» ويواصل محدثنا القول «يوم 23 جوان 1991 يخرج بن علي ويقول كلمته الشهيرة غلطوني والغاية تقزيم المؤسسة العسكرية. والغريب في الأمر أن عبد الله القلال ومحمد علي القنزوعي وعلي السرياطي والجنرال قزقز عندما كنا في قاعة المحاكمة قالوا إننا نحن من نزعنا رتبنا ،تمت محاكمتنا في 1992 بالسجن وقتها كان القضاة يقرؤون في المحفوظات» «إلى اليوم عندما أرى سيارة نوع «شاماد» ارتعش وليس لدي جواز سفر لأني لا أريد أن تطأ قدماي وزارة الداخلية،ولكن بعد الثورة تم إنصافنا والمرزوقي له دين علي هو من أعاد لنا الابتسامة ومكننا من رتبنا».

«معرفة الحقيقة كاملة»
قصة عبد الله بن صالح تعود أطوارها إلى سنة 1975 رواها لنا بكلمات متعثرة فقال «تم إيقافي في 13 ماي مع مجموعات من تطاوين والحدود مع ليبيا ودوز حولنا إلى منطقة الأمن بقابس ومنها إلى تونس وتحديدا إلى «دهليز» وزارة الداخلية جدران رمادية وأبوب سوداء زادها سوادا التعذيب الذي كان يمارس علينا ،قاعة العمليات أين يتم التحقيق عبارة عن جحيم عصي ، قضبان حديدية ،حبال تنزع ملابسي واضرب في كل مكان في جسدي حد الإغماء وتم إطفاء السيجارة في جسدي ،رحلة سجن 9 افريل كنا فيه وقود توتر العلاقة بين ليبيا وتونس وحوكمنا بأربع سنوات بعد محاكمات ليلية».

فاضل ساسي استشهد فيما عرف بثورة الخبز في عهد الحبيب بورقيبة والذي كتب كلمات شعرية اياما قبل وفاته قال فيها «قدري أن ارحل» فرحل برصاصة غادرة يوم 3 جانفي 1984 ،شقيقه الممثل جمال ساسي قرر أن يصدح بالحقيقة بعد عقود من الواقعة فقال «مسيرة الخبز هي القطرة التي أفاضت الكأس وخرج الشعب غاضبا الى شارع الحبيب بورقيبة و عدد الضحايا وقتها اكبر من المعلن عنه الذي كان مخالفا للحقيقة ،فاضل اصيب برصاصة 3 صم على القلب تسببت في نزيف داخلي وكل المؤشرات تدل على انها ليست طائشة وانما شقيقي مستهدف دفن يوم عيد ميلادي 7 جانفي 1984 وسط حضور امني مكثف واجبروا والدي على الإمضاء يوميا حتى لا يقول بان ابنه توفي بالرصاص فكل ما نريده اليوم هو معرفة الحقيقة كاملة من دبر ومن أمر ومن نفذ؟ وإلا فلا للمسامحة».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115