الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الإرهابية كميل الطويل لـ «المغرب»: «تبدو المنطقة مقبلة على مزيد من سفك الدم وعلى مزيد من التفكك المذهبي والعرقي»

يعتبر كميل الطويل الكاتب والصحفي اللبناني بجريدة «الحياة» اللندنية ان صورة داعش تتجه، إلى مزيد من الوضوح بعد الضغط المتزايد على معاقله وخسارته في أكثر من منطقة. ويرى المختص في شؤون الجماعات الارهابية ان القضاء على الارهاب لا يكون الا

بالوئام وبتبني استراتيجية موحدة في العالم العربي، مبينا ان الغرق في نزاعات اهلية سيجعل المنطقة مقبلة على مزيد من التفكك المذهبي والعرقي .

• ما هو تقييمكم لوضع داعش اليوم في المنطقة وهل هو على طريق الاندثار بعد ضرب معاقله في الرقة سوريا وسرت ليبيا؟
صورة داعش في المنطقة تتجه، كما يبدو، إلى مزيد من الوضوح. فالضغط يتزايد في شكل كبير على معاقل التنظيم في أكثر من منطقة. الضربة الأشد التي تعرض لها جاءت في العراق بخسارته مدينة الفلوجة، وقبلها الرمادي وقبلها أيضاً تكريت وبيجي. مساحة سيطرة داعش تقلّصت في العراق في شكل واضح، لكن المشكلة الأكبر تبدو في نينوى بشمال البلاد حيث يسيطر التنظيم على مدينة الموصل التي تُعتبر بمثابة عاصمة «الخلافة» التي أعلنها من هذه المدينة قبل عامين. لن يكون طرد داعش من الموصل عملية سهلة بالتأكيد، فالتنظيم يحتمي في هذه المدينة منذ سنتين وقد أتيح له وقت كاف لتحصين المدينة وتعزيز دفاعاتها. كما أنها مدينة مكتظة بالسكان المدنيين – ربما أكثر من مليون ونصف مليون نسمة – وهذا ما سيجعل عملية اقتحامها أكثر صعوبة. ولكن في حال طُرد داعش من الموصل – والحكومة العراقية تعد بذلك قبل نهاية هذه السنة – فإن ذلك سيعني أن التنظيم خسر دولته وعاد مجموعة مسلحة يمكنها أن تشن عملية هنا وعملية هناك لكنها لا تسيطر على مدن كبيرة تشكّل جزءاً من دولة «الخلافة». ونحن نعرف أن إدارة دولة تتطلب الاهتمام بشؤون سكانها مثل التعليم والطبابة وتوفير المياه والكهرباء وأشياء من هذا القبيل، ولذلك فإن طرد داعش من المدن الكبرى وعلى رأسها الموصل سيعني أنه لم تعد هناك «دولة خلافة» بل عاد التنظيم ليصبح كناية عن مجموعة مسلحة مثلما كان وضعه قبل اندفاعاته الجنونية في العام 2014 والتي توجها بالسيطرة على الموصل بعد انهيار القوات العراقية.

أما في سوريا فالوضع يبدو مختلفاً إلى حد ما. فالحرب ضد التنظيم تجري على أكثر من جبهة. فعلى جبهة النظام السوري، تمكنت القوات الحكومية السورية تحت غطاء جوي روسي وبمساعدة حلفاء لحكومة دمشق من استعادة أجزاء واسعة من المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش، وتحديداً في ريف محافظة حمص (ابرز الانجازات في هذا المجال كان استعادة مدينة تدمر في الربيع الماضي). لكن الملاحظ أن هجوم القوات النظامية مُني بانتكاسة واضحة في الأسابيع الماضية، على الأرجح بسبب نقص العدد البشري ولتراجع الغطاء الجوي الروسي. وبرز ذلك في التراجع السريع للقوات الحكومية في منطقة الحدود الإدارية بين الرقة وحلب وحماة، إذ شن داعش هجوماً مضاداً ناجحاً بعدما كاد النظام أن يسترجع مطار الطبقة العسكري ويصبح على قاب قوسين من الوصول الى مدينة الرقة، عاصمة «خلافة داعش» في سوريا.

ولكن في المقابل، نجحت «قوات سوريا الديموقراطية» - التي تحظى بدعم من قوات خاصة أمريكية وبغطاء جوي من الطيران الأمريكي – في تحقيق تقدم كبير ضد داعش في ريف حلب الشمالي الشرقي وباتت تحاصر التنظيم في أحد أبرز معاقله في المنطقة وهي مدينة منبج. ونجاح «قوات سوريا الديموقراطية» في هجومها هذا سيعني إلى حد كبير «خنق داعش» بحرمانه من رئته التركية التي كان يمر من خلالها المقاتلون الأجانب الراغبون في القتال إلى جانب التنظيم أو الذين جاؤوا على أمل العيش في كنف خلافته. لكن الواضح أن داعش يقاتل حتى الرمق الأخير دفاعاً عن معاقله في الشمال السوري. والملاحظ أيضاً أن القوى الغربية حاولت قطع خط الإمداد لداعش بين سوريا والعراق من خلال السيطرة على البوكمال على الجانب السوري من الحدود مع العراق (القائم)، لكن الهجوم الذي شنه «جيش سوريا الجديد» وفصائل أخرى مدعومة من الأمريكيين والبريطانيين مُني بفشل ذريع.

أما خارج نطاق سوريا والعراق، فإن التنظيم يواجه أيضاً إمكان خسارة ساحته الليبية حيث تحاول القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني والمدعومة من قوى غربية طرد داعش من سرت، معقله الأساسي في ليبيا. لن يعني ذلك اذا ما تحقق انتهاء وجود التنظيم في ليبيا، لكنه سيعود عبارة عن مجموعة مسلحة تشن هجمات بين الفينة والأخرى بدون أن تدير مدينة بحجم سرت أو غيرها من المدن الليبية أو ما يسميه التنظيم «ولايات» طرابلس وبرقة وفزان.

• هل يعني كل ذلك أن داعش بات على شفير الانهيار في ضوء تقليص مساحة انتشاره في العراق وسوريا وليبيا؟
من المبكر الجزم بذلك، لكن الواضح أن شعار «باقية وتتمدد» الذي أطلقه التنظيم على خلافته لم يعد صحيحاً وان التنظيم يواجه وضعاً بالغ الصعوبة.

• من يمسك بورقة الارهاب في المنطقة والعالم؟
من الصعب حصر ورقة الإرهاب بطرف دون آخر، لكن نظريات المؤامرة كثيرة وأنا لست من أصحابها. قد يقول قائل إن الأمريكيين هم وراء تحريك داعش واخواته، أو أن الإسرائيليين هم وراء ذلك لأنهم المستفيدون الأساسيون من تفكك الدول المجاورة لهم وغرقها في نزاعات مذهبية وعرقية. لكنني لا اعتقد في صحة ذلك. هناك مشاكل عديدة تعاني منها المجتمعات العربية ويتحمل مسؤوليتها أطراف عديدون. ففي ليبيا معمر القذافي لم يتم إنشاء دولة حقيقية، بل دولة على مقاس زعيمها. لذلك عندما رحل إبّان الثورة عام 2011 انهارت الدولة وغرقت في صراعات داخلية استفاد منها داعش لتثبيت وجوده فيها. والأمر نفسه في تونس. لم يسمح الرئيس السابق بن علي بوجود معارضة حقيقية تعمل بطريقة ديموقراطية خلال سنوات حكمه، ولذلك عندما رحل غرقت البلاد في الفوضى، وإن كان بدرجة أقل بكثير من البلدان الأخرى في «الربيع العربي» (لأسباب عديدة بينها بقاء مؤسسة الجيش متماسكة ونضج الأطراف السياسية المختلفة التي استوعبت الى حد كبير ضرورة تغليب مصلحة البلد على مصالحها الحزبية...). في مصر، لم تُظهر الأطراف السياسية نضجاً كافياً سمح بتجنيب البلاد ما قام به الجيش من خلال اطاحته بحكم الرئيس السابق محمد مرسي. في سوريا، لم يعرف النظام التعامل مع مطالب شرائح واسعة من شعبه بالتغيير ولم يوفر قنوات ديمقراطية تسمح بوجود معارضة سياسية حقيقية، فغرقت البلاد في الحرب المأسوية الحالية. والأمر نفسه ينطبق على العراق منذ صدام حسين وحتى الآن.

خلاصة الأمر، أنه قد تكون هناك بالفعل مصالح غربية في حصول أزمات تشغل بلدان العالم العربي، لكن رأيي أن العرب أنفسهم مسؤولون عن جزء أساسي من مشاكلهم التي لا يُمكن أن تُحل سوى من خلالهم هم.

• داعش وريثة القاعدة لكنها اكثر بشاعة وفتكا كيف تفسرون ذلك؟
يرى كثيرون أن داعش أكثر بشاعة وفتكا من القاعدة. وهذا صحيح إلى حد ما. وربما يكون السبب في ذلك أن داعش سيطر على أرض ويحاول أن يقيم فيها دولته، وهو أمر لم يُتح في يوم من الأيام للقاعدة حتى في أوج نفوذها. فالقاعدة كانت تعيش في أفغانستان ضيفاً على حكومة طالبان وتعمل تحت إشرافها، وإن حاولت أحياناً التصرف بوصفها دولة داخل دولة – وأقصد هنا تحديداً هجمات 11 سبتمبر التي يُعتقد أن القاعدة نفذتها بدون إذن حكومة طالبان. أما داعش فإنه سيطر على أرض في سوريا والعراق توازي مساحة المملكة المتحدة كلها، وأقام عليها «خلافة». وليفرض داعش سيطرته على هذه الدولة المفترضة لجأ إلى سلسلة تصرفات نفّرت منه شرائح واسعة من الشعب ومن الجماعات الأخرى بما في ذلك القاعدة. لكن تنظيم داعش يبدو أنه مؤمن بصواب سياسته هذه والقائمة تحديداً على إرهاب خصومه بالقيام بأبشع ما يمكن وصفه من فنون القتل والتنكيل. هل يمكن أن تؤتي هذه السياسة الترهيبية ثمارها؟ سيخشى كثيرون بالطبع أن يعارضوا التنظيم في مناطق نفوذه خشية ان يكون مصيرهم مماثلاً للذين أعدمهم ونكل بهم. لكن آخرين لن يترددوا في الانقلاب على التنظيم خصوصاً إذا ما وجدوا أن الأوضاع الميدانية تتحوّل ضده، كما هو حاصل حالياً. ولا يجب استغراب حصول مثل هذا الأمر. فقد حاول تنظيم القاعدة في العراق أيام ابو مصعب الزرقاوي القيام بتصرفات مماثلة لتصرفات داعش اليوم، لكن رد الفعل على ذلك كان لجوء العديد من الجماعات التي كانت تقاتل الأمريكيين الى الانقلاب ضد الزرقاوي ومساعدة الأمريكيين انفسهم على القضاء على القاعدة، في ما بات معروفاً باسم «الصحوات».

• مستقبل المنطقة الى اين؟
للأسف تبدو المنطقة مقبلة على مزيد من سفك الدم، وعلى مزيد من التفكك المذهبي والعرقي.

• وهل بالفعل يمكن القضاء على الارهاب؟
قد يكون القضاء على الارهاب مهمة صعبة بلا شك، لكنها ليست مستحيلة. فالأوروبيون تعلموا أن يتعاونوا بدل ان يتحاربوا بعدما قاتلوا بعضهم بعضا لمئات السنين وسفكوا دماء ملايين البشر. ولذلك فإنه قد يكون مفيدا للدول العربية ان تتعلم من التجربة الأوروبية انه يمكن العيش بوئام وسلام وازدهار اقتصادي بدل الغرق في نزاعات أهلية لا نهاية لها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115