العراق ولبنان ...مظاهر متقاربة وأزمات متقاطعة

يتشابه كل من العراق ولبنان في كثير من العوامل بدءا بالتركيبة الطائفية والتعددية الدينية الفسيفسائية مرورا بالتأثيرات الخارجية والولاءات المتعددة

في الواقع الهشّ في كلا البلدين ...ولعل مرور كلا الشعبين خلال الأعوام الماضية بأزمات شبيهة تكاد تكون متقاربة الى حد بعيد مثل أزمة الكهرباء وانقطاعه وغلاء المعيشة والفساد السياسي والاحتجاجات المجتمعية المطالبة بالتغيير ..كل ذلك يضع تساؤلات حول الواقع العربي الأليم وتدهور مستوى المعيشة وضياع الكرامة -والذي كان من الممكن ان يؤمنه ويضمنه إرساء مفهوم المواطنة الحقة ومبدأ سيادة الدولة والمؤسسات- لو تم تحقيقه فعليا على أرض الواقع .
بالنسبة للعراق كانت التدخلات الخارجية حاسمة في تشكيل المشهدية العراقية المؤلمة اليوم ولعل أخطرها التدخل الأمريكي والذي لا تزال بصماته الى حد اليوم ...اضافة الى تأثيرات دول الإقليم في الأزمة السياسية . ثم استفحل الوضع بعد وصول داعش الإرهابي والذي لا تزال خلاياه النائمة تهدد العراقيين بين الفينة والأخرى .
و لم يجد العراقيون طريقة للتعبير عن معاناتهم سوى اللجوء الى الاعتصام المفتوح في محافظة النجف جنوبي البلاد احتجاجا على استمرار أزمة الكهرباء في ظل ارتفاع درجات الحرارة. وأقام المعتصمون خياما في ساحة الصدرين وسط النجف، وأعلنوا عن اعتصام مفتوح إلى حين حسم أزمة الطاقة الكهربائية. ويطلق العراقيون نداء استغاثة وسط دعوات لتحركات شعبية واسعة في جميع المحافظات لإبعاد الفاسدين عن مواقع إدارة الدولة .
في الحقيقة تعاني بلاد الرافدين من أزمة وجود ومصير وأزمة حكم منذ سنة 2003 وكذلك منذ ان فرض نظام سياسي طائفي. ويبدو ان الديمقراطية المزيفة المبنية على تقاسم المناصب بحسب الانتماءات الطائفية لا حسب الكفاءة لم تؤد في آخر المطاف الا الى النفق مظلم . تماما كما حصل في لبنان، فاتفاق الطائف ولئن أنهى خمسة عشر عاما من الحرب الأهلية المريرة في بلد الأرز الا انه أرسى معالم تركيبة طائفية بديمقراطية مشوهة تحولت بكل سهولة الى حكم أمراء الطوائف ليس الا .
واليوم بعد كل هذه السنوات عن توقيع هذا الاتفاق ، ومنذ انطلاق حراك تشرين قبل عامين رفعت مطالب بتغيير شكل الحكم والنظام والطبقة السياسية ...لكن الحالة الاقتصادية في هذا البلد كانت مثل ورقة خريفية اهتزت وتساقطت أمام أول رياح هذا الغضب الشعبي، فلم تستطع تحمل تبعات حراك محتمعي وغليان هذا البركان العصيّ على الحل .
لبنان والعراق في مأزق حقيقي بسبب هذه المنظومة المتكاملة من الحكم ومن التدخلات والأحلاف الخارجية والتبعية الدينية والطائفية كذلك بسبب هذا «الشرق الأوسط الجديد» الذي تحاول القوى الكبرى فرضه في المنطقة...ولا أحد يعلم الى اين ستؤول الأزمة في كلا البلدين . ولكن الحقيقة المرة اليوم ان النفق المظلم ما زال طويلا وإرادة التغيير نحو الأفضل -مع الحفاظ على استقرار امني واقتصادي- معادلة صعبة خاصة في لبنان الذي يعيش شعبه أصعب الأيام العجاف وأمرها في تاريخه الحديث . وذلك في انتظار طوق النجاة والذي يمكن ان يأتي في شكل حكومة وحدة وطنية حقيقية وفعلية تمسح الأحزان عن هذا الشعب العليل وتحرث غابة أرزه المهددة بالاندثار .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115