جاسم البديوي الكاتب والمحلل السياسي المختص في الشؤون الأمريكية لـ«المغرب»: «العالـم يستطيع أن يتجاوز هذه الأزمة الصحية »

• «هذه الأزمة الصحية العالمية ستكون عامل حاسم ومؤثر في نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة»

قال الكاتب والمحلّل السياسي المختص في الشؤون الأمريكية جاسم البديوي لـ«المغرب» أن إدارة البيت الأبيض تواجه اليوم انتشارا مخيفا لفيروس «كورونا» في البلاد لأنها اتبعت في بداية ظهور الطارئ الصحي سياسة اللامبالاة وسياسة المؤامرة مازاد من خطورة المشهد الراهن. وأضاف أنّ العالم قادر على تجاوز هذه الأزمة الصحية العالمية في حال اتبع سياسية جدية تلغي نظريات المؤامرة للتعامل مع هذا «الفيروس»، مؤكدا ان العالم سيشهد تغيرات على الصعيد الإقتصادي وعلى صعيد العلاقات والتحالفات بين دوله مابعد هذا الطارئ الصحي.

• لو تقدمون لنا قراءتكم للمشهد الراهن في أمريكا وأسبابا تفشي «فيروس كورونا» المستجد بطريقة مخيفة هناك؟
اعتقد ان سبب توحش وتفجر فيروس كورونا في امريكا هي نفس اسباب تفشيه في الصين ايطاليا ايران فرنسا وهي عدم الاستعداد والتحضير بجدية لمواجهته وعدم التعامل معه كتهديد حققي وتهديد وجودي بل استمر تعامل الإدارة الأمريكية والمقربين منها على انها خدعة أو أكذوبة أو خطة تصب في خانة المؤامرة مما أجل التعامل بأهمية وواقعية مع هذا الوباء وتطويقه.

في الايام الاولى ظهر الرئيس الأمريكي وإدارته بمظهر اللاّ مبالي ومظهر المسيطر على الأمور، لكن يبدو أن هذه الإدارة أساءت تقدير حجم هذا التهديد .هذه اللامبالاة انعكست على تضخم أعداد المصابين يوما بعد يوم. فريق ترامب كان يعتقد أن أمريكا في مأمن من هذا الفيروس ولم يقم بوضع خطط لمجابهته إلا في وقت متأخر.
اعتقد أيضا أن التنافس بين الحزب الجمهوري الحاكم والحزب الديمقراطي أسهم في هذا التناحر وهذا الخلاف والإمعان في العناد ،ساهم في تفعيل هذه الأزمة وتعميق الفجوة بين الإدارة الأمريكية وبين العلم . دون شك فهي تتحمل مسؤولية تفشي الفيروس وهي الآن تمر بتخبط . وضعت خطط قد تكون غير ناجعة وغير مثالية للتعامل مع الأزمة.
الى حد الآن 3 ولايات أعلنت إجراءات طوارئ وتم تزويدها بمعدات ومستلزمات ،لكن هناك شكاوي بأن الحكومة لم تقم بما يلزم كإعلان حالة الطوارئ القصوى ، وعدم انزال القوات الأمنية لإجبار الأمريكيين على ملازمة بيوتهم ،وأيضا فيما يتعلق بالعمل باعتبار أن أغلب الأمريكيين يعتمدون بشكل كلي على الأجور الشهرية والحكومة لم تتخذ بعد إجراءات ترضي الأمريكيين.

• هناك انتقادات داخلية للسياسة التي اتبعتها إدارة الرئيس دونالد ترامب في مواجهة هذا الطارئ الصحي ، ما تعليقكم؟
هناك أزمة حقيقة رغم أن الكثير من الشركات تم إغلاقها وتم منع التجمعات واتخاذ بعض الإجراءات الوقائية لكن مازالت أعداد الإصابات ترتفع ومازال هذا الفيروس يستمر بالتوحّش والتوغل في قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي ، وهو يمثل تهديدا خطيرا ليس فقط من النحاية الصحية بل أيضا له انعكاسات ومخاوف اقتصادية كبرى. اليوم في الإعلام الأمريكي هناك نقاش كبير حول قرار إعادة العمال إلى العمل وأيضا هناك جدل كبير حول ماسيعيشه الإقتصاد الأمريكي بعد هذا الوباء.

وهناك جدل أيضا في من يتحمل مسؤولية حياة الأمريكان أيضا بالمقابل هناك من يتحدث عن شعارات «نموت في سبيل إقتصاد أمريكا» . في هذه الأثناء أقر الكونغرس الأمريكي حزمة من القرارات لدعم القطاع الخاص والعام ودعم العمال والموظفين بما يشبه المنح الاقتصادية لمدة شهر واحد قيمتها 1200 دولار ، هذه الحزمة من الإجراءات واجهت انتقادات كبيرة من كثير من الاقتصاديين . هناك دعوات أن تتصرف الحكومة الأمريكية على حساب الشركات.

انتقادات الاقتصاديين كانت حول محاباة الإدارة الأمريكية لرجال الأعمال وشركات النقل البحري والنقل الجوي وسلاسل الفنادق وشركات الترفيه في إشارة إلى شركات ترامب نفسه،أو الشركات التي لها علاقة مع ترامب والتي تمتعت بمحاباة غير عادلة على حساب المواطنين. الانتقادات كانت تصب في خانة إمكانية تعويض الخسائر الأمريكية لكن لا يمكن تعويض الخسائر في صفوف حياة المواطنين.

هناك مجموعة قرارات لكن مدى فاعلية هذا القرار متروك للمستقبل ، بعض وسائل الإعلام أبدت مخاوف سبق أن أبداها العديد من المفكرين والمنظرين والكتاب من تراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية قياسا بالأزمة الفارطة أزمة فيروس «السارس» حيث كان لإدارة الرئيس السابق باراك اوباما دور كبير في تطويق المرض في افريقيا.هناك أيضا مخاوف اقتصادية إذ هناك من شبه الاقتصاد الامريكي الان بفترة الثلاثينات اي ما يعرف بفترة الكساد الكبير.

• هل استغل ترامب هذه الأزمة الصحية لتحقيق نقاط انتخابية تخدم ترشحه لعهدة رئاسية ثانية ؟
هذه الأزمة ستكون عامل حاسم ومؤثر في نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة ، هذه الازمة ستحدد ملامح الرئيس الامريكي القادم ومن خلال تحديد ملامح الرئيس القادم ربما قد يتعافى أو قد تطرأ تطورات في النظام العالمي دون الحاجة الى تغييره .أو ربما قد يسوء الوضع أيضا ، فترامب لم يبلي بلاء حسنا الى الان واذا استمر الوضع هكذا فان ترامب لن ينجح في الوصول الى عهدة ثانية .

خصوم ترامب من الحزب الديمقراطي نقاط حملاتهم الانتخابية مضومنها القطاع الصحي في البلاد والضمان الصحي ، الطرف الاخر الليبرالي الاشتراكي له خطط كبيرة في القطاع الصحي ،وهذه الأزمة يبدو أنها جاءت بشكل او بآخر منسجمة مع هذه المطالب في الحفاظ على حياة الناس والحق في ضمان تأمين صحي عادل للجميع ،تنسجم مع خطط الليبرالين في الحزب الديمقراطي. الوضع القادذم في شهر نوفمبر المقبل الانتخابات ستكون نقطة حسم على مستوى العالم لا فقط على مستوى الداخل الأمريكي

• هل ترون ان انتشار هذ الفيروس في العالم بات أداة جديدة للصدام بين أمريكا والصين ؟
من ناحية تحويل المرض الفيروسي إلى أداة سياسية للصدام بين أمريكا والصين اعتقد ان ادارة ترامب عبر وزارة خارجيته لم تدخر جهدا لاتهام الصين بإخفاء معلومات عن هذا الفيروس المستجد ما أدى ألى تفشي المرض في كثير من دول العالم، وفي الوقت ذاته ردت الصين أيضا باتهام الولايات المتحدة الأمريكية .
تبقى كل هذه الاتهامات المتبادلة سياسية وليس لها أدلة علمية مثبتة حول تورط احد الجهات في العالم في هندسة أو تصنيع المرض.. على كل حال الكل خاسر والكل في فوضى ولا أحد يعلم ماسيحدث في المستقبل.
التعاطي السياسي مع هذه الأزمة قد حمل الكثير من التفسيرات والتأويلات حول شكل العالم والصراع في العالم في وجود صراع اقتصادي وصراع سياسي بين أمريكا والصين . لكن الحديث بثقة عن وصول هذا الصراع الى هذا المستوى اعتقد ان هذا الموضوع بعيد عن الواقعية وبعيد عن سياسات المصالح . لا مصالح امريكا ولا مصالح الصين ولا مصالح باقي بلدن العالم لأن نظرية نشر مثل هذا الفيروس تساهم في إبادة البشرية.

• هل سيكون «فيروس كورونا» سببا في تغير العلاقات الأوروبية الأمريكية ؟
ربما هناك تغيرات قادمة في شبكة العلاقات الدولية لاسيما بين الولايات المتحدة الأمريكية واوروبا .ترامب وبعد اعترافه بحجم تهديد ازمة «كورونا» حاول أن يستغل الأزمة لمصالح أيديولوجية .منذ اليوم الاول غرد على صفحة متحسرا « لو بني الجدار الحدودي.. لما وصلنا الى هذا المستوى».. من الواضح أن ترامب يريد استغلال الأمور خصوصا وأنه على أعتاب انتخابات قادمة في غضون أشهر معدودة.. بالتالي هو يريد الاستفادة من هذه الأزمة الصحية لصالحه

لكن تعامل وتعاطي ترامب مع الازمة خصوصا من خلالا علاقته مع أوروبا نستطيع القول أنّ أمريكا خسرت الكثير ، إيطاليا اليوم وحيدة في مجابهة هذا المرض أي من الدول الكبرى لم تقم بدورها كما كانت الدول تجابه مثل هكذا تحديات . نعم سيكون هناك تغيرات في العلاقات الأوربية إذا ما استمر انتهاج هذا النهج بغلق الحدود وغلق القنوات الاتصال مع أوروبا دون حتى مناقشة ذلك.

لاسيما فيما يتعلق بحظر السفر المفاجئ دون إعلام مسبق ومناقشة الأطراف الأخرى، وفي وقت سابق انسحاب أمريكا من اتفاقيات كبرى كانت موقعة مع دول أوروبا لاسيما اتفاقية التغير المناخي.. سياسة ترامب وعقيدته وايديولوجيته قد تؤدي في المستقبل إلى إعادة تشكيل لهذه العلاقات .لا نستطيع التحدث عن تغيرات في خريطة العلاقات الدولية إذا ماتجاهلنا العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا .نحن نعرف أن النظام العالمي الجديد بدأ قويا مع تشكيل العلاقات القوية بين اوروبا وامريكا ومثل هذا التغيير على صعيد العلاقات سيكون له تاثيرات غير محبذة .هناك ايضا تصدعات في الاتحاد هذا كله يعمل في إطار التغيرات .

السؤال هل هناك تغيرات راديكالية في العلاقات الدولية في العالم بعد الازمة لا نستطيع النفي أو الإثبات ،لانه أعتقد أن الأزمة لم تصل إلى هذا الحد ، امريكا ودول أوروبا مازالت مسيطرة على الملف بشكل أو بآخر . النظام الاقتصادي لم ينهر بشكل تام مازالت هناك خطط، المطلوب في هذه الأزمة هو أن تغير سياسات وقناعات الدول وان تكون الإدارات الدولية والحكومات مقتنعة بضرورة تقليل الخسائر قدر الإمكان وتجاوز الأزمة.

• هناك من ربط هذه الأزمة بقرب تغير النظام العالمي وبالتالي النفوذ الأمريكي في العالم ، هل العالم ما بعد «كورونا» ليس كما قبله؟
هناك حديث عن تراجع الدور الأمريكي في قيادة العالم وعلى مستوى العلاقات الدولية. هناك من يتحدث عن إعادة تشكيل عالمي بقيادة الصين ،هناك أيضا من تحدث بخرائط جيوسياسية أخرى لكن استطيع القول كمطلع أن الإدارة الأمريكية قادرة الى حد الآن على تخطي الأزمة إذا تم حسن التعامل مع التطورات وأيضا اذا أصغى ترامب للخبراء اذ يبدو ان ادارته تسعى إلى الخروج بحل للأزمة الراهنة.وهي تدفع بذلك نحو ذلك الحل لأنها لا تمتلك أي خيار سوى الإصغاء لصوت الخبراء ،لأنّ الإصابات في تزايد والأزمة المقبلة ستشهد ارتفاعا فهناك تقديرات عن احتمالية تزايد الأعداد بشكل مخيف، لكن مرة أخرى أقول أن العالم يستطيع أن يتجاوز هذه الأزمة.

السؤال حول تغير النظام العالمي أعتقد أنه من اولى أجندات الإدارة الأمريكية حاليا وشعار ترامب شعار قومي ضيق . فترامب يتصرف على اساس «أمريكا اولا» ، ترامب نفسه لا يؤمن بمفهوم النظام العالمي يعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية قد خسرت الكثير من أجل النظام العالمي ، وهو يريد أن يضطلع بدور أمريكي أكبر من خلال التركيز على الداخل الأمريكي أكثر من الخارج وهو ما أثبته من خلال انسحابات بلاده المتكررة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية علاقاته مع الدول مع الصين مع فرنسا تحركاته نحو كوريا الشمالية وغيرها من التحركات، أعتقد نعم من ضمن اجندات ترامب مايمس موضوع النظام العالمي والعولمة والتركيز على الدولة القومية والوطنية او الدولة الواحدة وهو مايعد تراجعا وانتكاسة لما بشّر به النظام الجديد نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة وربما هذا في حد ذاته يعكس هشاشة هذا النظام.

ربما سيتعافى هذا النظام ،فهذه الازمة في حد ذاتها قد أشارت الى مواضع الخلل والنقائص في هذا النظام مايستوجب أعادة النظر فيه.هناك سيناريوهات متعددة هي قابلة للتعديل وخاتضعة لمعيار الصدفة والتخطيط ومعيار الأخذ والرد الجدير بالذر انه من ضمن رؤية إدارة ترامب بأنها لا تريد خوض حرب حقيقية يعني في العالم ، هي تتبع طريقة حمل العصا الغليظة الى حد الان لم يتدخل ترامب في حرب مثل ماحصل في عهد جورج بوش الابن ، ليس من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية الدخول في مهاترات سياسية أخرى.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115