فرنسا: سنة سياسية ساخنة تواجه إيمانويل ماكرون

بدأت بشائر السنة السياسية الجديدة في فرنسا بعد نهاية الفترة الصيفية بانعقاد قمة السبعة التي أدارها الرئيس ايمانويل بنجاح

نسبي غير منتظر. و دخل ماكرون في سلسلة إيجابية على المستوى الأوروبي مع تشكيل الحكومة الإيطالية الجديدة التي فتحت الباب أمام العمل المشترك الهادئ للدخول في إصلاح المؤسسات الأوروبية التي اعتزمها الرئيس الفرنسي منذ مدة و عمل على تجميع المساندة في شأنها.

على المستوى الداخلي، أكد إيمانويل ماكرون أنه سوف يواصل مشاريع الإصلاح التي وعد بها خلال الحملة الانتخابية و قرر نسقها خلال أول اجتماع للحكومة في افتتاح السنة السياسية الجديدة. وطالب الرئيس ماكرون من وزرائه تغيير طريقة العمل و التخلي عن القرارات الفوقية بل اعتماد الحوار المرن و تشريك الأطراف الاجتماعية و فتح سبل الحوار مع الفرنسيين بكل أشكاله. و من خلال ذلك يريد ماكرون تفادي الاضطرابات و المعارضات السلبية التي هددت بانفجار الشارع الفرنسي خلال مسلسل مظاهرات السترات الصفراء.

إصلاحات اجتماعية حساسة
المواضيع المطروحة من قبل الحكومة في المرحلة الثانية من عهدة الرئيس تتعلق أساسا بإصلاح نظام التقاعد و الذي يعتبره المراقبون قنبلة موقوتة فشلت عديد الحكومات في تمرير التغييرات اللازمة على مدة عقود.و قرر ماكرون إدماج جون بول دولفوا رئيس الهيئة العليا للتقاعد في الحكومة لإدارة الملف. و عبر ماكرون على نيته فتح حوار وطني واسع لطرح مسألة تأمين ضمان نظام التقاعد للأجيال القادمة و الأخذ بعين الاعتبار التضامن بين الأجيال و تبسيط النظام باعتماد عدد سنوات العمل مع التخلي على الأنظمة الخاصة التي فاق عددها الأربعين. و لاقى هذا المشروع معارضة قطاع النقل في باريس الذي شن إضرابا بيوم الأسبوع الماضي شل جل وسائل النقل العمومي في تحرك إنذاري للحكومة.

الملف الإصلاحي الثاني يتعلق بنظام دعم التشغيل و حماية العاطلين عن العمل. وهو الملف الذي تم إقراره قبل الصيف و دخل في طور التشاور بين الشركاء الاجتماعيين. و إن يعتبر الملاحظون أن هذا الملف سوف يلقى طريقه للإنجاز بسبب عدم تقاطعه مع النقابات فإن إمكانية دخول نقابة «السي جي تي» على الخط يبقى واردا ، خاصة أنها أظهرت في الأسابيع الماضية عقلية «انتقامية» بعد فشلها العام الماضي في كل تحركاتها الاحتجاجية ضد سياسات ماكرون.

الإصلاح الاجتماعي الثالث يتعلق بقانون المساعدة الطبية للإنجاب الذي تعارضه الكنيسة والأحزاب اليمينية. وهو يرمي إلى تمكين كل النساء بما في ذلك المواطنات غير المتزوجات من الإنجاب بوسائل غير طبيعية عبر التدخل الطبي. و تخشى الحكومة أن «تستفيق» قوى اليمين باستغلال هذا الموضوع و ترمم أجهزتها وهي في حالة من التشتت و الإنقسام يخدم حزب الجمهورية إلى الأمام الذي أسسه ماكرون وساهم في تفجير الأحزاب التقليدية من اليمين و اليسار. وكان ماكرون قد عمل منذ انتخابه على تشتيت الأحزاب المعارضة واستقطب عددا من رموزها وأشركهم في الحكم على حساب الوجوه السياسية التقليدية من أحزاب اليمين.

رهان الانتخابات البلدية
كل الإصلاحات المعتمدة من قبل الحكومة تأتي في وقت تستعد فيه فرنسا لخوض أول انتخابات بلدية في عهد ماكرون مبرمجة ليومي 15 و 22 مارس 2020. وهي فرصة أمام حزب الجمهورية إلى الأمام الفتي - والذي لم يعقد بعد مؤتمره و لم يؤسس هياكله النهائية - ليركز نفوذه في كل البلديات. وهو رهان قوي أمام إيمانويل ماكرون الذي يتحكم في قصر الإيليزي و يتمتع بأغلبية مريحة في البرلمان. لكن تركيز جذوره في الجهات و المدن هو أساس تواصل المشاركة في الحياة السياسية في إطار نية إعادة الترشح إلى ولاية ثانية.

لكن حزب الجمهورية إلى الأمام شهد هذه الأسابيع تصدع في بعض الجهات ظهرت في الحملة الانتخابية البلدية. وكان في مقدمتها الانشقاق الحاصل في باريس بين المرشح الرسمي للحزب الوزير السابق بنجامين غريفو و النائب المنشق سيدريك فيلاني. و كان 60 نائبا في حزب الرئيس قد عارضوا قانون التبادل الحر («سيتا») مع كندا الشيء الذي أحيا في صفوف المسؤولين التخوف من تكرار سيناريو «الانتفاضة» الذي هز أركان الحزب الاشتراكي في عهد فرنسوا هولاند. من ناحية أخرى، سجلت انفلاتات أخرى من قبل حزب الديمقراطيين الوسطي الذي يتزعمه فرنسوا بايرو وهو حليف ماكرون بتقديمه لوائح منافسة في بوردو و ران و تولوز. وضع متقلب يشكل خطرا على حرص ماكرون ضمان تواجد مرضي في البلديات في غياب فوز ساحق مماثل لنجاحه في الرئاسية.

الحكومة فوق صفيح ساخن
أمام الحكومة الفرنسية سنة ساخنة تقودها النقابات و الأحزاب المعارضة التي ترغب في استعادة عافيتها أمام التسونامي السياسي الذي فرضه نجاح ماكرون في الرئاسية. أحد مؤشراتها رجوع تحركات السترات الصفراء بتنظيم مظاهراتها في باريس و مدن فرنسية أخرى يوم امس السبت 21 سبتمبر. و أعلنت قيادات التحرك عبر شبكات التواصل الاجتماعي نيتها رفع مستوى الإحتجاج. و تخشى الحكومة من رجوع أعمال العنف بعد أن غابت في الصيف و شهدت الحركة تشتت عناصرها و فقدان المساندة الشعبية لها من جراء أعمال التخريب المتكررة.

وتحاول أحزاب المعارضة اليسارية توحيد الصفوف مع النقابات و السترات الصفراء من أجل تركيع الحكومة و إفشال تحركاتها. لكن النقابات ليست على نفس الخط بعد أن أعلنت الكنفدرالية العامة الديمقراطية استعدادها للدخول في مفاوضات مع الحكومة على عكس «السي جي تي» التي تتمسك بمواقفها الراديكالية و لم تجن منها إلى حد اليوم أي ثمار تذكر.

في هذه الأجواء، أضاف الرئيس ماكرون موضوعا آخر لم يكن مبرمجا تعلق بإعادة النظر في مسألة الهجرة و اللجوء. و أعلن الإيليزي أن هذه المسألة ليست من التابوهات. وقرر ماكرون استدعاء البرلمان لنقاش ورقة «إعلان سياسة الهجرة لفرنسا و أوروبا» يوم 25 سبتمبر. وسوف تقدم نفس الوثيقة لمجلس الشيوخ يم 2 أكتوبر للنقاش بدون تصويت. عدد من الملاحظين اعتبروا أن هذه الخطوة الرئاسية مناورة تدخل في إطار تحويل وجهة النظر عن المسائل الحساسة. لكن مصادر رئاسية أكدت أن الأهم بالنسبة للرئيس هو تشريك البرلمانيين و النقابات في الحوار لتخفيف الضغوطات على الحكومة في انتظار المشاكل التي سوف تحصل عند خروج بريطانيا من أوروبا «بدون اتفاق».

أما الرئيس ماكرون فسوف تكون له مواعيد حاسمة لإدارة الملفات الساخنة على المستوى الدولي. أولها ملف البريكست الذي يمكن أن يعصف باستقرار أوروبا يوم 31 أكتوبر إن لم يفلح بوريس جونسون في التوصل إلى اتفاق مع بروكسل. و تبقى ملفات سوريا و أوكرانيا وإيران وليبيا علي طاولة البحث مع تداعيات الحرب الاقتصادية بين أمريكا و الصين والتي تستدعي من قبل الإيليزي التركيز التام بعيدا عن المشاكل الداخلية التي سوف تتولى إدارتها الحكومة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115