الجنوب في النظام العالمي: من عدم الانحياز إلى تعدد الاصطفاف (1)

شكل موقف بلدان الجنوب من الحرب الروسية في أوكرانيا صدمة كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية

وحلفائها في أوروبا وآسيا.

فقد كان المعسكر القومي ينتظر من حلفائه في الجنوب الوقوف الي جانبه والتنديد بالهجوم الروسي على أوكرانيا ودعم العقوبات التي اتخذها هذا المعسكر ضد روسيا.

الا ان مواقف عديد بلدان الجنوب خاصة الحليفة منها الولايات المتحدة والمعسكر الغربي بشكل عام كانت مفاجئة في بعض الأحيان صادمة لحلفاء الامس.

ولم يقف هذا الموقف المناهض للمعسكر الغربي عند العديد من بلدان الجنوب حول مسألة الحرب الروسية في أوكرانيا بل تحول إلى موقف عام ساخط ورافض لمالات النظام العالمي وتهميش قضايا الجنوب كالتنمية والفقر وتطور عدم المساواة والفجوة والتفاوت في العلاقات الدولية.

وقد التحقت في هذا الشعور بالاحباط والاستياء والرفض للنظام العالمي حكومات عديد بلدان الجنوب مع شعوبها حيث تواترت المظاهرات والتعبيرات السياسية والمدنية للتنديد يتواصل تدخل البلدان الكبرى في سياستها وتواصل السيطرة الاستعمارية عليها. ولعل المظاهرات التي عرفتها عديد البلدان العربية والساحل الافريقي ضد فرنسا المستعمر السابق ومطالبتها بفك اغلال هذه العلاقة القديمة لهي دليل على عمق هذا الامتعاض والسخط لشعوب حكومات الجنوب ضد بلدان الشمال وعجزها على بناء علاقات تعاون حقيقي لدفع النمو وصنع الأمل لشباب هذه البلدان.

تشكل هذه اللحظة منعطفا حقيقيا في تطور العلاقة بين الشمال والجنوب وفي الدور المستقبلي لبلدان العالم الثالث في النظام. وتطرح هذه اللحظة المفصلية عديد التساؤلات والتي كانت صلب نقاش وجدل عالمي شاركت فيه المؤسسات الدولية والحكومات ومراكز التفكير في أغلب بلدان العالم لفهم هذهذ التحولات وانعكاساتها على النظام العالمي.

وتهم الاسئلة الحارقة التي تقض مضاجع المفكرين اليوم اسباب ثورة بلدان الجنوب اليوم و رفضها الاصطفاف كما كان الشأن في السابق وراء المعسكر الغربي. هل تنذر هذه الثورة والتي شكلت منذ انبعاثها في باندونق (Bandung) وخاصة في سبعينات نقطة القضاء بين بلدان الجنوب لفرض إصلاحات عميقة في النظام العالمي في إطار ما تمت تسميته بالنظام العالمي الجديد. ام ان هذه الثورة لبلدان الجنوب تنبئ بتعامل جديد واستراتيجية أخرى لهذه البلدان في محاولة الضغط على المعسكر العربي الغربي للقيام باصلاحات حقيقية للنظام العالمي والدفاع على مصالحها. وفي النهاية ماهي الإصلاحات التي يجب إدخالها على النظام العالمي لاعادة بناء علاقات الثقة مع بلدان الجنوب وصنع مصير مشترك يقوم على العدل والتعاون والتضامن؟. سنحاول في هذه السلسلة من المقالات طرح هذه الأسئلة الحارقة ومحاولة فهم خصوصيات وانعكاسات هذه اللحظة المفصلية في علاقة قطبي النظام العالمي: الشمال والجنوب.

عودة على بعض المصطلحات والمفاهيم

قد تبدو المصطلحات والمفاهيم التي نستعملها في هذه المقالات الجنوب والشمال قديمة وبالية وتعيدنا إلى الإطار الفكري الذي طبع العلاقات الدولية منذ خمسينات القرن الماضي الى نهاية السبعينات. وقد ظهرت هذه المفاهيم في تلك الفترة مع نظرية التبعية (théorie de la dépendance) واهم مفكريها من العالم الثالث ومن ضمنهم سمير امين من مصر وسلسو فورتادو (celso furtado) من البرازيل واندري قاندر فرانك (André cunder frank) من امريكا وراؤول بريبيش (Raoul prebish) من الارجنتين وغيرهم من مفكري وعلماء الاقتصاد من بلدان العالم الثالث.

وقد صاحبت هذه النظريات حركات التحرر الوطني في العالم الثالث وركزت على علاقات التفاوت وعدم المساواة والتبعية التي تميز النظام العالمي والتي تعيد إنتاج النظام الاستعماري وهيمنة المركز الراسمالي على الاقتصاد العالمي. ولعبت هذه النظريات دورا كبيرا وكان لها تأثير ضخم في ضبط استراتيجيات ومواقف بلدان الجنوب ومطالبتها بإصلاحات كبيرة في إطار مفهوم النظام العالمي الجديد (nouvel ondre économique international)

وقد ركزت هذه النظريات الاستراتيجية على مجالات مهمة للإصلاح والتغيير في النظام العالمي كالتجارة العالمية وتمويل النمو ودور الشركات الكبرى وتحويل التكنولوجيا وغيرها من القضايا والأولويات التي تشكل عائقا كبيرا أمام نهوض بلدان العالم الثالث وانعتاقها من النظام الاستعماري واعادة بنائها الوطني.. إلا ان هذه القراءات ستشهد تراجعا كبيرا في نهاية سبيعنات القرن الماضي مع أزمة المديونية التي ستعرفها اغلب بلدان الجنوب والثورة النيوليبرالية التي سيعرفها العالم مع بداية الثمانينات.

وستكون هذه الازمات وراء تراجع مطالب إصلاح النظام العالمي وتراجع حركة عدم الانحياز التي شكلت الإطار السياسي لتوحيد مواقف بلدان الجنوب.كما ستكون أزمات الجنوب وراء عودة هيمنة المؤسسات الموروثة من نظام بريتون وودوز (britton woods) كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي من خلال البرامج النيوليبرالية للتعديل الهيكلي في نسخها الأولى. ولن تقف انعكاسات هذا التحول على المجال السياسي وتراجع تأثير بلدان الجنوب وعودة هيمنة بلدان المركز او المستوى الاقتصادي مع فشل سياسات بناء الاقتصاد الوطني بل سيمتد هذا التاثير على المستوى الفكري مع تراجع نظريات التبعية والمصطلحات الشائعة في تلك الفترة كالشمال والجنوب والتطور اللامتكافئ وغيرها. إلا ان هذه المصطلحات والمفاهيم ستعرف عودة قوية في الفترة الأخيرة في إطار الثورة الناعمة (في بعض الأحيان والعنيفة في احيان أخرى) في بلدان الجنوب على النظام العالمي إثر الصراعات والجدل الذي صاحب الغزو الروسي لأوكرانيا.

وفي خضم هذه التحولات الكبرى ظهر مفهوم جديد في الخطاب السياسي وفي الجدل الفكري وهو مفهوم «الجنوب المعولم» ( le sud global) ويشير هذا المفهوم إلى عديد البلدان من الجنوب التي بدأت تاخذ مسافة كبيرة من تحالفاتها القديمة مع اقطاب النظام العالمي ووجهت له الكثير من النقد. ويضم الجنوب المعولم عديد البلدان الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل وهي أعضاء في مجموعة البريكس.

كما يضم عديد البلدان الأخرى الأعضاء في مجموعة العشرين كالعربية السعودية ونيجيريا وتايلندا والشيلي والارجنتين والشيلي. ونجد في هذه المجموعة مجموعة أخرى من البلدان ذات الدخل المتوسط مثل الجزائر. كما تضم عديد البلدان الفقيرة في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية. وقد ظهر هذا المفهوم في بداية الثمانينات وعوض تدريجيا مفهوم العالم الثالث. ويشير ذلك الى دخول بلدان الجنوب في مسار العولمة.الا ان هذا المفهوم بقي هامشيا في الاطر الرسمية والمؤسسات الدولية وكان استعماله محدودا إلى أقصى الحدود. إلا أنه عرف في الأشهر الأخيرة عودة قوية بصفة خاصة أثر المواقف التي عبرت عنها بلدان الجنوب حول الحرب الروسية في أوكرانيا. وأصبح هذا المفهوم للجنوب المعولم سائدا في المؤسسات الدولية وفي كبرى الاجتماعات والقمم الدولية للحديث عن بلدان الجنوب التي شقت عصا الطاعة أمام اقطاب النظام العالمي وانتقلت إلى مواقع النقد والسخط على الوضع العالمي. وبالرغم من شيوع استعمال هذا المفهوم فقد لقى الكثير من النقد في عديد الدوائر وعند بعض المفكرين ومراكز التفكير باعتباره يجمع خليطا غير مناسب من البلدان. فهذا التصنيف يجمع بلدانا ليس لها نفس المستوى من النمو والقوة الاقتصادية كالصين والهند من جهة والبلدان الفقيرة في افريقيا كالسنغال ومالي وبوركينا فاسو.

كما أن مصالح بلدان الجنوب المعولم واختياراتها الجيواستراتيجية ليست متجانسة. كما أن بلدان هذه المجموعة تشقها صراعات وخلافات كبيرة ادت في بعض الأحيان إلى نزاعات وحروب كالحرب بين الصين والهند على الحدود المتنازع حولها في منطقة الهمالايا والتي ادت سنة 2022 إلى سقوط 20 قتيلا من الجنود الهنود. إلا أنه وبالرغم من النقد الذي تم توجيهه لمفهوم الجنوب المعولم فقد أصبح مهيمنا والأكثر تداولا في الخطاب والنقاش العام وفي المؤتمرات الدولية والقمم من قبل المسؤولين السياسيين والخبراء والمفكرين. وقد تحرر الجميع من الجانب النظري لهذا المفهوم ليقع الاكتفاء والتأكيد على جانبه السياسي والجيواستراتيجي. ويضم هذا المفهوم مجموعة البلدان من الجنوب التي يجمعها الغضب والحنق والسخط على النظام العالمي وخاصة على اقطاب المنظومة الغربية. وقد رفضت هذه البلدان الانسياق وراء اختيارات بلدان كالولايات المتحدة وبلدان أوروبا المطالبة باصلاحات حقيقية وجوهرية للنظام العالمي.

وستكون الحرب الروسية في أوكرانيا نقطة انطلاق ثورة الجنوب المعولم على النظام العالمي واقطابه.

يتبع

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115