الانتخابات التشريعية القادمة: مشهد الحكم القادم سيتضح والهيمنة فيه لـ«متطوعي الرئيس»

باعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وسط الاسبوع الفارط عن نتائج مرحلة تقديم الترشحات للانتخابات التشريعية توفرت كمية هامة من المعطيات الخام

التي تقدم اطارا سياسيا عاما لما سيكون عليه فضاء الحكم، ما له وما عليه.
ففي الاسابيع الفارطة كان هذا الفضاء محددا بالنص الدستوري اولا وبالنظرية السياسية لرئيس الجمهورية وأنصاره من افراد وأحزاب ثانيا وبهذا تشكلت صورة اولية/نظرية عن مشهد الحكم وتوازناته ومراكز الثقل والعلاقات بينها، صورة وقع رسمها بالاستناد الى تأويل النص الدستوري والقانوني او خطاب الرئيس وتمثل استنتاجات مهما كانت دقتها تظل قاصرة عن تقديم صورة شاملة لما ستكون عليه الامور.
اما اليوم وبنشر المعطيات الكمية المتعلقة بهذا الجزء من الانتخابات التشريعية وبهوية المترشحين اليها، فإننا ننتقل من التعامل مع الفرضيات الى الواقع الذي كشف عن انه تجاوز المخاوف النظرية لدى شق من التونسيين سواء أتعلق الامر ببحث السلطة عن انهاء وجود الاحزاب والاجسام الوسيطة او في ما يتعلق بحالة الوهن التي سيكون عليها البرلمان.

ففي القائمات الخاصة بالمترشحين للانتخابات التشريعية عن 151 دائرة انتخابية تتوزع على 24 ولاية، والتي نشرتها الهيئات الجهوية المكلفة بإدارة الانتخابات والإشراف عليها، لم تعد هوية البرلمان القادم غامضة كليا بل اتضحت معالمه بشكل ملموس مساهمة في رفع الغموض وانهاء التعامل مع الفرضيات إذا تعلق الامر بالمشهد السياسي الذي سيتكون في محيط الحكم وطبيعة القوى السياسية التي ستعاضد الرئيس في تشكيل هذا المشهد اذ ان 151 قائمة انتخابية نشرتها 28 هيئة جهوية على صفحاتها بشبكة التواصل الاجتماعي وفرت كما هائلا من المعطيات الخام التي لا تقتصر فقط على ابراز ضعف نسبة ترشح المرأة والشباب ولا عند كشفها عن ترشح اكثر من 25 رئيس بلدية مباشر او سابق او ترشح نواب برلمان سابقين.

ابرز ما قدمته هذه القائمات هو الكشف عن اعادة تشكل محيط الرئيس وحزامه السياسي عبر تشكل اجسام سياسية جديدة لتحل محل الاحزاب، وهو ما تدعمه بشكل غير مباشر تصريحات بعض رؤساء الاحزاب السياسية المساندة للرئيس والمنخرطة في مساره السياسي والانتخابي.
اذ كشفت هذه المعطيات المتوفرة عن ثلاث توجهات كبرى يمكن ان يقع توزيع المترشحين للانتخابات عليها، لدينا مرشحون يمثلون فقط انفسهم ويدافعون عن طموحات ومشاريع فردية. وهؤلاء متعددو المشارب ومتنوعون بعضهم كانت له تجارب وانتماءات سياسية سابقة وبعضهم كانوا أعضاء في البرلمانات السابقة وبعضهم ممن يترأسون المجالس البلدية اليوم وجودهم سيكون له تأثير في علاقة بترجيح كفة احدى التوجيهين التتاليين.

اما الاحزاب التي تقدمت بمرشحين من ابرزهم حركة الشعب التي قال امينها العام زهير المغزاوي انها تقدمت بـ100 مترشح ومترشحة بعد ان اسقطت الهيئة ترشحات اكثر من 20 من ابناء وبنات الحركة. هذا بالإضافة الى تقدم حركة تونس الى الامام بـ15 مترشحا ومترشحة وفق ما بينه رئيسها عبيد البريكي او التوجه الجديد الذي يمكن وصفه بتحالف 17 ديسمبر/25 جويلية، يبرز كجسم سياسي لا يمكن ان يعرف إلا بأنه تحالف بين انصار الرئيس من افراد مستقلين و احزاب لتشكيل كيان سياسي يعبر بطرق عدة عن احدى الافكار المحورية في المشروع السياسي الذي يطرحه الرئيس ويسوق الى مرحلة ما بعد الاحزاب.

هذا الجسم الذي تشكل في اكتوبر الفارط وأعلن عن نفسه في بيان تأسيسي مهر بإمضاءات 25 شخصية من ابرزهم محمد على البوغديري الامين العام المساعد السابق للاتحاد وزهير حمدي الامين العام للتيار الشعبي وإبراهيم بودربالية عميد المحامين السابق والمنجي الرحوي واحمد شفتر ورضا شهاب المكي المعروف برضا لينين وصلاح الداودي وغيرهم.. جسم يتقدم ليكون البديل عن الاحزاب في الحياة السياسية والبرلمانية المتصلة بمسار 25 جويلية، اي ان الفائزين المحتملين من «التوجه الاول» سيكونون بشكل او بآخر محددين في مسار الصراع بين الاحزاب الداعمة و«الجسم الجديد» ، فالصراع بينهما انطلق منذ فترة جمع التزكيات ويبدو انه اليوم سيحتدم خاصة وان هوية الفائز منهما سيغير شكل التوازن السياسي مع الرئاسة لا في علاقة بالحكم وتوازناته والصلاحيات التي ضبطها الدستور فقط بل في علاقة بإعادة تشكيل الفضاء الجامع بين السلطة والشارع.

ويبدو ان الاحزاب الداعمة للرئيس باتت تدرك انها في صراع مصيري لا خيار لها فيه إلا الانتصار لتوفر لنفسها ادوات تمكنها من وقف مسار الغاء دور الاجسام الوسيطة، وهي من بينها، او انها ستفقد مكانها لصالح كيان سياسي جديد يتشكل في تخوم الرئاسة ويتبنى مقولاتها ونظريتها السياسية.
مخاوف يبدو انها تغذت مما يختزله بعض قادة الاحزاب في قولهم بوجود ارادة لدى الادارة والسلطة الجهورية المنتسبة لمشروع الرئيس لإنهاء وجود الاحزاب وهذه الارادة تجسدت في «فعل» التدخل في العملية الانتخابية وان هذا التدخل الذي يلتقي مع القانون الانتخابي يدفع الى الغاء الاحزاب ودورها في مشهد الحكم خلال الفترة القادمة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115