في حكم الشعارات والعجز عن الإصلاح

في تونس يتراجع سقف أحلامنا وانتظاراتنا يوما بعد يوم بصفة زاحفة دون القدرة على إيقاف نزيف الأمل ..

عندما يصبح الإقتراض لشراء الحبوب صمودا والقرض الممدد مع صندوق النقد الإنجاز الأساسي للحكومة على امتداد أكثر من سنة من العمل ندرك انه لم يعد لنا مطلقا سقف للانتظارات مهما تضاءلت صورته .
نحن من الذين يدركون أهمية عقد اتفاق ممد جديد مع صندوق النقد الدولي وأن بعض الإجراءات التقشفية التي تدخل في خانة عقلنة التصرف في موارد الدولة المحدودة مسألة ضرورية،لكن أن تصبح هذه الإجراءات التي دُعيت إليها كل الدول التي توجهت إلى الصندوق هي «الإصلاحات» بل جوهر العملية الإصلاحية فذلك عين الإخفاق والغياب الكلي لأية روية إصلاحية.

يمكن أن نطلق كلمة «الإصلاحات» على إيقاف نزيف المالية العمومية وإعادة هيكلية الدولة وعقلنة بعض السياسات الاجتماعية ولكن هذه كلها إجراءات إنقاذية وليست رؤية إصلاحية كما لا ترسم مطلقا أفاقا لمشروع وطني جامع قادر على خلق الثروة والرفاه العام بشروطه الدنيا.
إن إصلاح موضوع تعبير كتابي رديء لا يمكن أن يكون رديف إبداع نص جميل ،ثم إذا أصبح إصلاح النصوص السيئة لدينا هو الإبداع فذاك دليل على عجز صاحبه عن طرق الإبداع حتى من أبوابه الخلفية.

الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يكون رديف خوصصة بعض المنشآت العمومية أو الحدّ من كتلة الأجور أو الترفيع المستمر في أسعار المحروقات أو حتى رقمنة الإدارة.. فهذه كلها إجراءات قد تكون ضرورية لكن مداخل إصلاح الاقتصاد أهم وأعمق بكثير من كل الإجراءات الإنقاذية .
إصلاح الاقتصاد ينطلق من تقييم لكافة منظومات الإنتاج وما يحيط بها من مناخ قانوني وبنية تحتية وتكوين عام (التعليم) وتقني (التكوين المهني) ثم تحديد الأهداف التي نروم تحقيقها في أفق 10و20 و50 سنة ..في أي سلم قيم نريد أن نكون ؟ وكيف ننهض باقتصادنا في إطار تنمية إدماجية ونمو قوي ومستدام وما هي نوعية الدولة القادرة على إنجاز كل هذا في أسرع وقت ممكن بحوكمة ذات عقلانية وفاعلية قصوى ؟

هذا النهوض الاقتصادي الشامل سوف يشمل كل مجالات الحياة الاجتماعية من تعليم وتكوبن مهني وصحة واستراتيجيات عمرانية ومحاضن للمشاريع المجددة وانسيابية كاملة في عالم المؤسسة الاقتصادية واستثمارات تنموية ضخمة نجند فيها كل الإمكانيات العمومية والخاصة والأجنبية والشراكات المتعددة بين القطاعين العام والخاص ..

هذه النظرة هي التي تعوز حكام اليوم كما أعوزت حكام الأمس لذلك نراهم يكتفون بترديد شعارات مفرغة من أي محتوى كـ«تغيير منوال التنمية» دون اية قدرة على الشروع في الإصلاحات الكبيرة بل في الإصلاحات الصغيرة كتثمين النفايات والعمل الهش داخل أجهزة الدولة ذاتها (وزارة التربية نموذجا ).
نحن اليوم في مستوى خيال لم يرق إليه شعب قبلنا وهو تقديم برنامج «الاصلاحات» مع صندوق النقد الدولي كبرنامج «ثوري» لصالح «الفئات الفقيرة والمهمشة».
لا يمكن أي تُقاد بلاد دون رؤية ودون اهداف مرحلية ودون تعبئة واسعة خاصة لو رام البلد الخروج من أزمة حادة وخلق شروط الإقلاع ومن ثمة الرفاه الاجتماعي لجميع المواطنات والمواطنين .
إن أكبر نكبة يمكن أن تُصاب بها امة هي أن يصبح الحكم غاية في حد ذاته وان يكون هو الهدف والوسيلة في ذات الوقت.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115