أمام خُطب التفرقة والإحباط: متطلبات التفاعل الإيجابي

مساوئ تكرار رئيس الجمهورية التونسية الماسك بمؤسسة الرئاسة وبقية السلطة، لنفس الإتهامات الموجهة لخصومه و منتقديه ،

أكثر من المنافع خاصّة إذا كان بإمكانه تفويض بعض المهام الإتصالية (على الأقل )إلى الوزارات المعنية، بخصوص ما تتضمنه الخطب المباشرة . ويكون هذا التفويض مساعدا على تجنب الأخطاء وحافزا للوزراء كي يضطلعوا بما هو موكول إليهم في نطاق مهامهم. فمِؤسسّة الرئاسة هي الّتي تمثل هرم السلطة و هي المبلغ لصوت الدولة وقراراتها بإسم كل التونسيين . كما أن تكرار الإتهامات مباشرة من رئيس الدولة ، يثير ردود فعل كل المعنيين بالاتهامات و تكون هذه الردود موجهة مباشرة للرئاسة ، فتفقد هذه المؤسسّة مهمّة الحكم و تفقد صفة تمثيل كل التونسيين وما لذلك من تبعات على الدور التجميعي لرئيس الدولة . هذا الدوّر يجب أن يلمسه التونسيون في المرحلة القادمة بعد أن تأكد أن رئيس الجمهورية ماض في ما قرّر إنتهاجه إلى نهاية 2022 ، ما لم يحدث طارئ في الأثناء يوقف أو يعطّل ما هو عازم عليه.

إن ما أقدم عليه الرئيس سعيد عند إعلانه عن المحطات القادمة ، سحب به البساط من المعارضين له و جعلهم ينقسمون حول كيفية التعامل مع القرارات الجديدة الّتي عرضها دون الإقدام على ما سبق تواتر الحديث عنه بخصوص إمكانية حل المجلس الأعلى للقضاء ، أو بخصوص سد باب الحوار بصورة قطعية مع اقتراح إمكانية الإستشارة الإلكترونية والإعداد للاستفتاء حول تغيير القانون الإنتخابي والدستور و إنشاء لجنة لتقديم المقترحات، أو المشاريع و كل ذلك دون الدخول في التفاصيل الّتي قد تكبّله أو تفشل مشروعه .

بهذه الطريقة وضع سعيد المعارضين له في زاوية جعلتهم يكتفون بتشكيل جبهة للرفض وإظهارهم في مظهر المتمسكين بموقف المطالبة بالرجوع إلى الوراء أي إلى الوضع السابق ،دون تقديم مبادرة منهم لتجاوز الأزمة تكون كفيلة بتجميعهم وكسب المؤيدين لهم ، لذلك خرج أغلبهم من إطار إبداء الرأي في خارطة الطريق المقترحة من رئيس الجمهورية و التخلي بذلك عن إمكانية الضغط و الدفع في هذا الإطار إلى فرض موقف سياسي موحد حول ما سيقدّم من مقترحات و حلول. إن أغلب المعارضات ،أي أغلب التشكيلات الأكثر حضورا في الساحة السياسية ، ستجد نفسها مجبرة على تغيير موقفها و الدخول في «حلقة النقاش» حول المشاريع الّتي سيقع عرضها و الاستعداد للمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية للتعبير عن مواقفها ، للحفاظ على مواقعها أو لتعزيزها وتجنب إخراجها من دائرة المشاركة في الحياة السياسية.

لذلك يمكن القول أن «جبهة الرفض» الّتي تشكّلت ضد سعيد على خلفية معارضة ما يعتبرونه انقلابا ، اختارت التصعيد مع التفكير في التقويض أكثر من التفكير في البناء ، وبدت و كأنها أضاعت البوصلة و تعيد نفس الأخطاء باصطفافها وراء حركة النهضة الّتي تبدو في الظاهر حريصة على مصلحة تونس وعلى مصلحة الديمقراطية ، بتشريك أتباعها ، في حين أنها لا تحيد عما يخدمها بصورة ضيّقة ، وقد برهنت على ذلك طيلة العشرية الماضية سواء في التنكّر لحلفائها أو في توظيفهم في المراحل الّتي تحتاجهم فيها لتمرير سياستها الّتي أوصلت البلاد إلى لجوء سعيد إلى اتخاذ التدابير الاستثنائية الّتي تعيش تونس على وقعها.

إن التسليم بأن الرجوع إلى الوراء أمر مستحيل، يفرض على القوى الحية الحريصة على مصلحة تونس ألاّ تبقى متفرّجة على مصير تونس دون أن تحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه ،و ألاّ يثنيها الخاطب الحدي لرئيس الدولة سعيد، عن تحمل مسؤوليتها في الدفع نحو ما يخدم مصلحة البلاد. من بين هذه القوى المنظمات و الهيئات المهنية الوطنية الّتي ساندت سعيد بالقول أو بالصمت، إبان 25 جويلية 2021 دون إستثناء ، بل على الأطراف الفاعلة منها مثل الاتحاد العام التونسي للشغل و الهيئة الوطنية للمحامين ومنظمة الأعراف و منظمات المجتمع المدني أن تبادر بتنظيم الملتقيات والندوات لتقديم المقترحات المتصلة بمشاريع القوانين الّتي تندرج ضمن الاستحقاقات المعلنة، من ذلك ما يتعلّق بمخرجات الصلح الجزائي الّذي تبدو ملامحه ضبابية وصعبة التطبيق، وقد كان بالإمكان إحداث صندوق يحتوي هذا المقترح بطريقة واضحة و شفافة ، دون ترهيب ولا تخوين كي ينخرط فيه المذنبون ويتقبلوا المحسابة دون تعسف أو ظلم لطي الصفحة والإقدام مجدّدا على العمل والإستثمار .

وعلى الإعلام أن يخرج من موقف «المعاين للأوضاع» واستعراض ونقل الأحداث، إلى الولوج إلى لب المشاكل المطروحة و فتح المنابر لاستعراض البدائل البناءة و لتوضيح المبادرات المنتظرة و بلورتها بالكيفية الّتي توضح الرِؤيا لكل فئات الشعب لكي يكونوا فاعلين و مدركين تمام الإدراك لما سيطرح عليهم ، لترشيد إختياراتهم .

لا أحد لا يتبنى إختياراته بإسم الشعب، و لا أحد لا يدعي أنه يريد أن يخدم مصلحة تونس ، و لكن في كل مرّة يكثر الحديث عن تزوير إرادة الشعب بعد الإعلان عن نتائج ما افرزه الصندوق. من واجب الفاعلين السياسيين الّذين يريدون خدمة الإختيارات الّتي تحقق الرفاهة والتقدم ، أن يعملوا أوّلا على ترغيب كل الناخبين في المشاركة في كل الاستحقاقات المقبلة و إقناعهم بأن الغياب و التفرّج لا يخدم مصلحتهم ، و لا يكون هذا الترغيب ممكنا إلاّ ببلورة كل المفاهيم و بيان مخرجاتها و توضيح متطلبات التنمية الحقيقية و قيمة العمل . بهذا يمكن درأ خطر التفرّد بالرأي إذا فكّر سعيد أو غيره في ذلك ، و يحنب البلاد خطر الإنزلاق نحو المجهول و تجنب تكرار نفس الأخطاء ، و كل ذلك لملامسة الطريق الصحيحة لإرساء دولة القانون و المؤسسات و الإقلاع الإقتصادي و التقدم الإجتماعي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115