السياسة والإساءة الجنسيّة وأجساد النساء

ما علاقة افتتاحيّة مخصّصة لتحليل المشهد السياسيّ، والآراء الاقتصاديّة والقانونيّة والمواقف الفكريّة،

أي المواضيع «المهمّة» و«الجادّة» و«الشريفة» و«noble النبيلة» بالشتائم التي يوجّهها نائب لزميلته وجها لوجه أو على صفحته الخاصّة؟
يعتقد أغلبهم أنّه من غير اللائق الحديث في هذا الموضوع «التافه» فالشتائم هي «الخبز اليوميّ» للتونسيين، ونعت الفتيات والنساء بأبشع النعوت صار أمرا «عاديّا» فلِم التوّقف إذن عند حدث «عابر» لا يستحقّ الاهتمام، ولِم نساهم في جعله مرئيّا؟ بيد أنّنا نذهب إلى أنّ ما جاء في تدوينة نائب هو في صلب المشغل السياسيّ، والواقع المعيش، ويقتضي التوقّف عند دلالاته، فهل يستقيم تحليل الأحداث السياسية التي هزّت الرأي العامّ دون تحليل سلوك الفاعلين وطريقة أدائهم؟
لم يردّد «الشيخ الحكيم» الحجّة المعهودة «إنّ الإسلام كرّم المرأة» فهو مشغول بكرسيّه ومصالحه وتموقعه، ولا وقت لديه لإصدار البيانات، لاسيما وأنّ المستهدفة ليست من حزبه بل هي «العدوّ اللدود»، وكذا الأمر بالنسبة إلى وزيرة المرأة المكلّفة بمتابعة ملفّ العنف ضدّ النساء التي فضّلت الصمت على بلاغة التنديد بالعنف المسلّط على النساء في المجال السياسيّ، ذلك أنّ كلّ خطاب قد يؤوّل على أنّه اصطفاف وراء «الحزب الدستوريّ». وآثرت الأحزاب اتّخاذ نفس الموقف (إلى حدّ كتابة الافتتاحية) بل إنّ حزب التيّار لم يعتبر أنّ الاعتذار لـ«موسي» أولويّة، وفي السياق نفسه لا موقف يذكر لسائر مكونات المجتمع المدنيّ.
ولأنّنا نعتبر أنّ منسوب العنف ضدّ النساء الفاعلات في السياسية في تصاعد مستمرّ ويكاد يكون ممنهجا من أجل تثبيط هممهنّ وتصميتهنّ فإنّنا نرى أنّ ما ورد في تدوينة النائب حريّ بالتحليل الذي سنورده في شكل نقاط:
- يتمثّل النائب زميلته على أساس أنّها ‹أنثى تحيض تبيض» فيرحّلها من عالم السياسة (في الفضاء العامّ) إلى عالم الاختلاف الجنسي، والفروق البيولوجية والوضع الاجتماعي الذي تُهيمن عليه تمثلات اجتماعية، ومنمّطات ترى أنّ وظيفة المرأة الولادة والرعاية(في الفضاء الخاصّ) .فما للنساء والسياسية ؟
- يحوّل النائب ما يخرج من الجسد الأنثوي من سوائل إلى موضوع للتهكّم والسخرية متصوّرا أنّ الحديث عن الحيض والروائح الكريهة هو منتهى التحقير، وآلية للتنفير والعزل، متوهّما أنّه قد نجح في طرد زميلته من عالم السياسية وتجريدها من صفتها: «السياسيّة»، أي الثقافيّ ليلحقها بالطبيعيّ ، والرجل إذ يفعل ذلك يسترجع أقوال السلف الذين كانوا يقيمون صلة بين دم الحيض والنجاسة لأنّ «الطمث هو الدنس»، ولا يفارق الجماعة التي مارست «كره النساء» misogynie ولازالت، بل إنّه يلحّ على اختزال الفاعلة السياسيّة في الجسد، وإفرازاته وجنسانيته، ويصرّ على ممارسة الوصم الاجتماعيّ وانتهاك كرامة زميلته.
- يتموقع النائب باعتباره صاحب العقل والامتيازات الذكورية فهو الطاهر في مقابل النجسة، والرجل/الذكر/الفحل في مقابل الأنثى التي «تحيض وتبيض»، وصاحب الدم الشريف الذي لا يراق إلاّ في ساحات الوغى والجهاد في مقابل دم الحيض الذي يصيب الأرض بالعقم. ويرى النائب أنّه القادر على تصميت «سليطة اللسان» بتذكيرها بوضعها «الطبيعي». ولكنّ هذه الجرأة تفضح المخاوف الدفينة «فالحيض شيء مستقذر مؤذ من يقربه»، وهو في ثقافات عديدة (يهوديّة، وفرعونيّة ورومانية...) معطّل لمبدإ الحياة.كما أنّ الخوف مرتبط بالمرأة الفاعلة ، سليطة اللسان، الرجلة.. التي تأتي على نقيض المرأة المثالية في البرلمان، وهي الممتثلة للقيم المعياريّة كالطاعة والخضوع، والتي تؤثر الصمت على الكلام.
إنّ هذا السلوك المُخبر عن دخلنة فكرة دونيّة المرأة، والذي يتعمّد فيه أصحابه توجيه الإساءة الجنسيّة إلى زملائهنّ، والحطّ من قيمتهنّ يفضح القناعات، والمعتقدات والتصوّرات التي تهيمن على عدد من السياسيين من أهل اليسار واليمين، ويعرّي في الوقت نفسه، فشل الدولة في ضمان المساواة، وحماية الفتيات والنساء من العنف المستشري. وحينما يصدر العنف عن نائب/مشرّع ويكون الإفلات من العقاب، في دولة أصدرت قانونا للحدّ من العنف المبنيّ على الجندر، مبرّرا بالحصانة، وحرّية التعبير، و«التفاهة» .. فإنّه العار والشنار.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115