من البناء إلى الصمود

يبدو أن السلطة جعلت من «الصمود» عنوانها المركزي

غير المعلن لسياساتها التي انطلق مسارها بعنوان «التعويل على الذات» ومرّ عبر محطة «البناء»، وبين العناوين والشعارات مسافة تكشف عن أزمة السلطة التي باتت تسعى لصياغة معيار جديد لتقييم أدائها، وتجعل من الاستقرار الاقتصادي الهش منجزًا سياسيًا يحجب عثرات سياساتها ويحل محل شعاراتها السابقة. ففي البداية رفعت السلطة شعار التعويل على الذات كعنوان لاستعادة المبادرة والقرار الوطني وتحرير الدولة، وسوّقت لذلك على اعتباره خطوة ضرورية في مسار تغيير البنية الاقتصادية وتحسين شروط إنتاج الثروة وتوزيعها العادل بين التونسيين.

مسار لم تقيّمه السلطة ولم تعلن عن ما حقق فيه من مكاسب، ولكنها بنت عليه شعارها الثاني وهو «البناء والتشييد»، الذي سُوّق بدوره على أنه المرحلة التي تعقب التعويل على الذات، مرحلة رُوّج فيها خطاب يبشّر بتحول الإرادة السياسية إلى منجز اقتصادي واجتماعي، ويبشّر التونسيين بقرب قطف الثمار والرخاء.

لكن بعد سنتين من هذا الخطاب، تكلمت وزيرة المالية أمام لجنة المالية بالبرلمان وأعلنت ضمنيًا عن الشعار الجديد للسلطة، وهو الصمود، شعار يعكس أزمة السلطة التي باتت اليوم محاصرة بأسئلة المنجز والنتائج، في ما هي بالكاد تمكنت من تحمّل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية القائمة.

وهذا ما رسمه النقاش الذي أُثير بين وزيرة المالية ونواب مجلس الشعب، نقاش انطلق بتقديم فرضيات الميزانية ومؤشرات الاقتصاد، وتقديم رواية رسمية عن الوضع الاقتصادي والمالي الصعب للبلاد. هنا اعتمدت الوزيرة، وفق ما نُقل عنها من قبل بلاغات مجلس النواب، مفردة الصمود التي استُخدمت للإشادة بقدرة الاقتصاد والبلاد. هنا لا ضرر ولا ضرار من استخدام الصمود كمفردة ومفهوم، خاصة أنه يرد في سياق الاعتراف بصعوبة الظرف الاقتصادي، لكن هذا لا يحجب حقيقة أن المتحدث هو السلطة التي تسوّق اليوم «للصمود» كمنجز سياسي لها، وتغفل أنها شددت قبل أشهر قليلة على أن البلاد تمضي في مسار «البناء».

هنا تكمن الأزمة تحديدًا، وهي أن السلطة تراهن على قدرتها على إدارة البلاد بالشعارات وحدها، وأن هذه الشعارات ستحل محل الخيارات الاقتصادية، وهو ما يتكرر منذ نصف عقد على الأقل، تُرفع فيها العناوين البراقة والشعارات الكبرى التي تعد بالمنّ والسلوى، ولكن ننتهي إلى أننا بالكاد صمدنا، مما يجعل من الخطاب هذه المرة يكتسب معنى مختلفًا.

فما لا يقال صراحة هو أن البلاد عاشت على وقع مرحلة استثنائية سياسيًا واقتصاديًا، يبدو أنها تتمدد، ومعها يصبح صمود البلاد واقتصادها إنجازًا يُسوّق لها، لكن ضمن حدود وسياقات. ولكن حينما يصبح الصمود هو العنوان الذي تسوّقه السلطة لتقييم حصيلة حكمها، الذي قام على خطاب التعويل على الذات والبناء، الذي انتهت سنواته الخمس الأولى إلى أن تصبح قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها ومواجهة الضغوط ومواصلة العمل والإبقاء على الحد الأدنى من التوازنات وتجنب الإغلاق الشامل للخدمات نجاحًا ومنجزًا، فإننا أمام أزمة حكم وتسيير.

إذ إن هذا الانتقال في المفردات والخطاب ليس تفصيلًا، بل هو إعادة ترتيب مسؤوليات السلطة عن حصيلة حكمها، بأن تجعل الظروف وما هو خارج عن نطاقها معيارًا وازنًا في التقييم، بما يمكنها من تخفيف مسؤوليتها وتجنب تقييم خياراتها والسياسات ودفعها خارج النقاش. فما تريده السلطة اليوم هو أن ترسخ صورة مفادها أن الدولة نجحت في تجاوز مرحلة صعبة، وأنها، وبعد خمس سنوات، لا تزال تنجح في الصمود في ظل هذه الأوضاع الصعبة، بما يجنبها المساءلة عن الحصيلة وما تحقق من الوعود الأولى وتقييم نهجها الاقتصادي والسياسي وما قاد إليه.

وهنا تكمن أزمة الحكم الراهنة، سلطة تدرك أن الشارع بات يطالبها بمنجز ويقيّم حصيلتها، وهي لا تملك إجابات تقدّمها له غير الخطاب الذي انتقل من الوعود الكبرى إلى الإقرار بالأزمات والصعوبات، وجعل المرور منها بأخف الأضرار منجزًا، لتغفل بذلك عن حقيقة أن الصمود ليس منجزًا تُحتسب نقاطه للسلطة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115