الحضور الروسي في افريقيا: من الشراكة الى صراع النفوذ العالمي

تحولت إفريقيا اليوم إلى مسرح مركزي لصراع دولي

شرس على النفوذ، تتنازع فيه القوى الكبرى في سياق نظام عالمي جديد يتشكل واستقطاب إقليمي يتسع  . وتبرز روسيا كلاعب رئيسي فهي تعزز حضورها الجيوسياسي في القارة السمراء على مختلف الصعد والمستويات. وتأتي القمة الروسية-الإفريقية  التي تنعقد في موسكو بمشاركة 48 دولة إفريقية وحضور رؤساء 22 دولة بينها تونس-، في إطار الجهود الروسية الرامية إلى تعزيز العلاقات الروسية الإفريقية وفتح آفاق جديدة للتعاون والشراكة. وهي تعكس استراتيجية روسية عميقة الجذور تهدف إلى كسر الطوق الغربي، وتأمين الموارد وتحويل القارة السمراء إلى عمق استراتيجي للكرملين.

لقد شهدت الشراكة الاقتصادية والأمنية بين روسيا وشركائها في افريقيا تطورات بارزة، تمثلت في تجاوز حجم التبادل التجاري 27 مليار دولار وتضاعفه مقارنة بالقمم السابقة، اعتماد أكثر من 85 بالمئة من المعاملات التجارية على الروبل والعملات المحلية لتفادي العقوبات الغربية، إلى جانب توسيع موسكو لعدد سفاراتها في إفريقيا إلى 48 سفارة عبر افتتاح 8 سفارات جديدة وربطها باتفاقيات للتعاون العسكري مع 45 دولة أفريقية. وعلى صعيد الأمن الغذائي، عززت روسيا استقرار القارة بتصدير أكثر من 18 مليون طن من الحبوب خلال عام 2025، و13 مليون طن إضافية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، وذلك في إطار مساعيها لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب بالتنسيق مع تكتل "بريكس".

وتستند التحركات الروسية في إفريقيا إلى دلالات عميقة ترتبط ارتباطا وثيقا بـ "عقيدة الكرملين الحالية" والتي تؤمن بأن روسيا تستحق "حصتها التاريخية" المفقودة نتيجة تضحياتها الكبرى في الحربين العالميتين، وما تعتبره تنصلا غربيا من التعهدات بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

فقد تمكنت موسكو من الاستثمار بذكاء في الذاكرة السياسية الإفريقية، مستفيدة من الدور السوفيتي التاريخي في دعم حركات التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار في أكثر من بلد افريقي ، مقارنة بالصورة النمطية السلبية للاستعمار الغربي. ويزاحمها في ذلك التنين الصيني الذي يعد لاعبا رئيسيا ونسج علاقات وطيدة مع عديد الدول الافريقية وفق منطق الند للند ومبدأ رابح رابح.

لا شك أن قارة أفريقيا تعد محط أنظار العالم بفضل امتلاكها لثروات طبيعية هائلة، وسوق استهلاكي ضخم يضم نحو 1.4 مليار نسمة، علاوة على موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي الذي يغذي هذا التنافس  الدولي الواسع . اذ  تمتلك القارة خزان العالم الاستراتيجي من المواد الأولية، حيث تحتوي على نحو 10 بالمئة من احتياطي النفط العالمي، و8 بالمئة من احتياطي الغاز بالإضافة إلى امتلاكها نسبا هائلة من المعادن الحيوية للصناعة التكنولوجية الحديثة مثل الكوبالت والذهب والماس ونحو 90 بالمئة من الكروم والبلاتين.

 كل ذلك وضع القارة السمراء في قلب التنافس الجيوسياسي الدولي  وصراع النفوذ بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة  والصين وفرنسا وايطاليا ودول أخرى تسعى كل منها لتأمين مصالحها الاقتصادية، وتوسيع شراكاتها التجارية وتعزيز نفوذها السياسي  على غرار تركيا.   فضلا عن المساعي الإسرائيلية الحثيثة لاختراق القارة دبلوماسيا وتكنولوجيا وأمنيا وصولا إلى تنافس قوى دولية صاعدة أخرى تسعى لترسيخ موطئ قدم لها في ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب تحكمه حروب الزعامة الاقتصادية والجيوسياسية.

 انطلاقا من ذلك،  فان إفريقيا بما تمثله من مخزون هائل للثروات الطبيعية والطاقية المتعددة تمثل متنفسا لروسيا على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي لتجاوز العقوبات الغربية المفروضة على خلفية الحرب الأوكرانية، وتصدير منتجاتها والالتفاف على القيود الدولية. وفي خضم كل هذا المسار فان موسكو ترسم أهدافا بعيدة المدى ترتكز على محاور رئيسية في مقدمتها الهيمنة على أسواق الطاقة واليورانيوم والتحكم في الغاز والنفط وذلك تنفيذا لاستراتيجية الطاقة الروسية. اذ تسعى موسكو للسيطرة على تدفقات الطاقة العالمية وأسواقها المستهدفة. فالوجود الروسي في المتوسط عبر ليبيا حاليا ومنطقة الساحل يهدف إلى قطع الطريق على مشاريع نقل الغاز الإفريقي البديل لأوروبا .

يضاف إلى ذلك تمتلك موسكو حصة مهيمنة في تخصيب اليورانيوم عالميا. ومع تراجع النفوذ الفرنسي والاضطرابات في النيجر وامتلاك ناميبيا لموارد هائلة، تستهدف روسيا السيطرة على مفاصل قطاع الطاقة النووية عالميا، بدءا من تشغيل المفاعلات وحتى إنتاج اليورانيوم الخام.

والملاحظ أن الوجود الروسي في أفريقيا يشهد توسعا كبيرا ومستمرا، حيث تعزز موسكو نفوذها عبر التحالفات الاستراتيجية، والدعم العسكري المباشر والشراكات الاقتصادية لمواجهة النفوذ الغربي، متخذة من مناطق محورية في القارة منطلقا لتوسيع رقعة تأثيرها. ويتركز الوجود الروسي بشكل أساسي في منطقة الساحل الإفريقي ووسط القارة وشمالها، وتبرز عدة دول كمحاور رئيسية لهذا التمدد .ففي مالي يتجسد الحضور الروسي عبر الدعم العسكري المكثف والشراكة الأمنية عقب انسحاب القوات الفرنسية. وفي بوركينا فاسو  يتصاعد الحضور الأمني لروسيا ، وفي النيجر هناك تمركز عسكري وتعاون متزايد بعد الانقلابات الأخيرة وتغير التحالفات الإقليمية. كما تعد جمهورية أفريقيا الوسطى  نقطة ارتكاز رئيسية وقاعدة استراتيجية تتحرك منها موسكو نحو أقاليم حوض النيل والساحل والبحيرات العظمى.

 وترتبط السودان بروسيا باتفاقيات لوجود بحري واستثمارات حيوية في قطاع الذهب والتعدين. اما في ليبيا فان التواجد الروسي كان يتمثل من خلال قوات فاغنر  سابقا أي قوات الفيلق الافريقي حاليا .

والمعلوم ان روسيا هي من أبرز موردي الأسلحة للعديد من الجيوش الإفريقية، مبرمة اتفاقيات دفاعية مع أكثر من 20 دولة. وهي تسعى في كل ذلك الى تثبيت قواعد لوجستية وبحرية مثل مشاريع القواعد البحرية المحتملة في السودان وليبيا لضمان حرية الحركة والتأثير العسكري الاستراتيجي.  وتبني شبكة تحالفاتها الصلبة في افريقيا ضمن دول "الجنوب العالمي" لتخفيف آثار العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب حرب أوكرانيا.

  تكشف الوثائق التاريخية إلحاح الزعيم السوفيتي ستالين تاريخيا على الحصول على قاعدة بحرية في ليبيا. واليوم يعيد الكرملين إحياء هذا الحلم الاستراتيجي، فموسكو تسعى منذ فترة طويلة -خاصة بعد التحولات الطارئة في سوريا- إلى إيجاد موطئ قدم ومرفئ عسكري دائم لها على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

وتُعد مدينة طبرق ومينائها الواقع شرق ليبيا -الخاضعة لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر الحليف الأبرز لروسيا في ليبيا- الوجهة الأكثر ترجيحا للمساعي الروسية، حيث رصدت صور الأقمار الصناعية وحركات الملاحة المتكررة وصول معدات وإمدادات عسكرية تُوزع لاحقا على القواعد والمناطق المختلفة.

فالوجود الروسي في ليبيا يتم عبر "الفيلق الأفريقي" الذي يتركز بشكل أكبر في القواعد الجوية بينما يتحول ميناء طبرق تدريجيا إلى عقدة إمداد لوجستية ونقطة ارتكاز قريبة من الجناح الجنوبي لحلف الناتو، دون أن ترتقي إلى قاعدة بحرية روسية مكتملة الصياغة أو معترف بها رسمياً كقاعدة سيادية.

وتثير التحركات الروسية قلقا واسعا لدى الدول الأوروبية والولايات المتحدة من احتمال تحول السواحل الليبية إلى قاعدة انطلاق بحرية لروسيا في المتوسط، بينما تعتبرها أطراف في شرق ليبيا ترتيبات تعاون عسكري ولوجستي مع موسكو. وتكمن الخشية الأوروبية من تمكن موسكو من  ربط أساطيل البحر الأسود بالمتوسط وتطويق حلف الناتو من الجنوب والشرق وخلق توازن استراتيجي مع الأسطول الأمريكي السادس.

لقد أفرزت الدورة الثالثة للقمة الروسية-الإفريقية توجهات جادة لتعزيز الشراكات التجارية، وإيجاد آليات تسوية مالية بعيدة عن الهيمنة الغربية، وتأمين سلاسل الإمداد الغذائي والطاقي. وتثبت المعطيات أن روسيا حققت بالفعل اختراقات جيوسياسية واقتصادية هائلة في القارة الإفريقية، وهي اليوم تعود كـ "قوة عظمى" قادرة على إعادة تشكيل النظام العالمي. وتلعب شخصية الرئيس فلايديمير بوتين دورا محوريا بما يتمتع به من تجارب ومسيرة سياسية حافلة تجعل بلاده قادرة على الاستفادة من دروس التاريخ وارث تجاربها السابقة من اجل ضمان البقاء واستدامة الوجود في افريقيا  فقد حرصت موسكو على تقديم حزمة شاملة من التعاون تتعدى تصدير الحبوب والأسمدة التي بلغت مستويات قياسية لدعم استقرار القارة لتشمل عرضا رئاسيا مباشراًللتعاون في مجالات التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي وتوطين الصناعات ونقل المنشآت الإنتاجية*. بالتوازي مع ذلك، يحظى الجانب الأمني والعسكري باهتمام بالغ عبر تطوير منظومة التعاون في منطقة الساحل، فضلا عن السعي لتوسيع الناعمة وتوطيد النفوذ الإعلامي من خلال مبادرات نوعية كشبكة "سبوتنيك إفريقيا". وتتوج هذه الملفات بترسانة من الوثائق والاتفاقيات المنتظرة -نحو 33 وثيقة تشمل إعلانا مشتركا للتعاون في الذكاء الاصطناعي وخطة عمل للفترة 2027-2029- بما يؤكد رغبة الكرملين في بناء شراكة هيكلية طويلة الأمد لا تكتفي بملء الفراغات الجيوسياسية، بل تخطط لترسيخ حضور تقني واقتصادي مستدام داخل القارة السمراء.

والسؤال الذي يطرح اليوم هو: أين تونس من كل هذه التحولات وكيف تحمي حضورها ودورها؟ فالتحدي الأبرز أمام بلادنا -التي شاركت في هذه القمة- يكمن في كيفية اقتناص الفرص الاقتصادية كالتعاون في مجالات الطاقة والحبوب، وتنشيط السياحة وكسب رهان عودة 600 الف سائح روسي لبلادنا ، وتوسيع الاستثمارات الروسية دون الوقوع في فخ "سياسة المحاور" أو الإخلال بالمبادئ التي قامت عليها الدبلوماسية التونسية . ويتأتى ذلك عبر اعتماد نهج البراغماتية الاقتصادية البحتة وتنويع الشراكات لا استبدالها، والتعامل مع هذه التكتلات بمنطق المصالح المشتركة ، بما يصون توازنات تونس الاستراتيجية مع شركائها التقليديين والإقليميين في عالم لا مكان فيه للحياد السلبي.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115