بولاية رئاسية رابعة في البرازيل "زلزالا سياسيا" بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فبينما كانت رياح اليمين المتطرف تجتاح العديد من دول أمريكا اللاتينية وتنسج تحالفات متجانسة مع الإدارة الأمريكية، جاء هذا الفوز التاريخي – الذي حققه لولا بعد قلب الطاولة على منافسه اليميني فلافيو بولسونارو مرشح الحزب الليبرالي في جولة الإعادة – ليضع حائط صد منيعا في وجه هذا المد اليميني المرتبط بواشنطن وتوجهاتها.
ومن قلب ساو باولو، أطلق لولا عبارته المدوية التي لخصت جوهر معركته "البرازيل ليست فناء خلفيا لأحد ولن تكون"، موجها إياها مباشرة إلى البيت الأبيض وسياسات دونالد ترامب.
وفي الحقيقة، فإن هذا الفوز بنسبة 51.79 بالمئة مقابل 48.21 بالمئة ينطوي على دلالات جوهرية تعكس نبض المجتمع البرازيلي وعمق التحولات التي يعيشها. فهذا الفوز بفارق ضئيل للرئيس البرازيلي يعكس انقساما حادا في الشارع والمجتمع البرازيلي بين معسكر اليسار الداعم للولا ومعسكر اليمين والمحافظين الداعم لبولسونارو.
ولكن الأهم من كل ذلك هو أن لولا أصبح أول مرشح في تاريخ الديمقراطية البرازيلية الحديثة أي منذ عام 1989 ينجح في قلب نتائج الجولة الأولى ويتغلب على منافسه بعد أن كان متخلفا فيها، متجاوزا بذلك تداعيات الاستياء الشعبي المتمحور حول تكاليف المعيشة وبعض الأزمات الاقتصادية. وجاء هذا الفوز ليقضي على آمال عائلة بولسونارو – المقربة من ترامب -في العودة إلى السلطة وإلغاء إرث الإصلاحات الاجتماعية، لا سيما وأن المنافس الخاسر هو فلافيو بولسونارو وهو نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو الذي يقبع في السجن حُكما بقضية محاولة انقلاب عام 2022.
وقد كشفت تسريبات موثقة نشرتها وكالة "رويترز" نقلا عن عشرة مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، عن تورط مسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الخارجية الأمريكية في قيادة حملة من وراء الكواليس لإعادة عائلة بولسونارو إلى السلطة. وتضمنت هذه التحركات الدبلوماسية الضغط باتجاه فرض عقوبات ومقاطعات اقتصادية مدروسة لترجيح كفة اليمين في البرازيل. وهو ما دفع الرئيس لولا دا سيلفا إلى توجيه تحذيرات نارية لواشنطن من مغبة المساس بالسيادة البرازيلية، منددا علنا بما وصفه بتآمر منافسه مع إدارة ترامب للتدخل السافر في الشؤون الداخلية للبلاد.
يشار الى أن حزب العمال البرازيلي الذي تأسس في 10 فيفري 1980 بمدينة ساو باولو، يعد أحد أبرز قلاع اليسار والاشتراكية الديمقراطية في أمريكا اللاتينية. فقد ولد الحزب من رحم حركة إضرابات عمالية قادها لولا دا سيلفا أواخر عهد الدكتاتورية العسكرية، جامعا بين النقابيين والمثقفين والتيارات الكاثوليكية التقدمية. وفي خضم كل رهانات وتحديات الحقبة الأولى للولا -بين أعوام 2003 و2011 - مرورا بحقبة ديلما روسيف وعواصف قضايا الفساد وسجن لولا وصولا لبراءته وعودته المدوية، نجح الحزب في الحفاظ على دوره وتموقعه داخل المشهد السياسي والمجتمعي البرازيلي .
واليوم يتوج حزب العمال هذه المسيرة التاريخية المعقدة بفوزه الراهن في انتخابات أكتوبر 2026، حيث حافظ على مقاليد السلطة لولاية رابعة تاريخية والثانية على التوالي إثر حسم لولا جولة الإعادة أمام المرشح اليميني، ليثبت الحزب قدرته الدائمة على النهوض وتجاوز الأزمات.
ولعل من أهم رسائل هذا الفوز هو الانتصار لخط السيادة والعدالة الاجتماعية ، فقد نجح لولا في حشد الملايين عبر تسليط الضوء على إنجازاته التاريخية في خفض معدلات الفقر وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية وأهمها برنامج "بولسا فاميليا " الذي أُطلق في عام 2003 بهدف مكافحة الفقر . وصوّر لولا نفسه للناخبين بأنه الحصن الأخير المدافع عن الحقوق المدنية والديمقراطية ضد تغول التيارات المحافظة المتشددة.
ويمتد أثر هذا الانتصار إلى خارج الحدود البرازيلية ليحدث هزة في توازنات القارة اللاتينية بأكملها . ففوز لولا من شأنه أن يكسر طوق الهيمنة اليمينية في أمريكا اللاتينية وهو يجسد استثناء صارخا وعائقا بوجه موجة الانتصارات اليمينية المتتالية التي شهدها الاقليم مؤخرا في دول مثل الأرجنتين، وتشيلي، وكولومبيا، والإكوادور.
اما عالميا، فان بقاء لولا على رأس السلطة حتى عام 2030 من شأنه أن يساهم في الحفاظ على الثقل الاستراتيجي لتكتل "بريكس " ويضمن كذلك استمرار دور البرازيل القيادي والوازن داخل التكتل. وكل ذلك يعزز من حضور الاقتصادات الصاعدة في مواجهة سياسات الهيمنة الاقتصادية الأحادية، والتي تمثلها بالأساس الولايات المتحدة الامريكية.
من جهة أخرى ، شكلت نتائج الانتخابات البرازيلية صفعة قوية لحسابات إدارة ترامب، وحملت في طياتها أبعادا استراتيجية عميقة. اذ يشير المحللون إلى أن فوز لولا دا سيلفا هو بمثابة ضربة قوية لسياسات دونالد ترامب الهادفة لإعادة إحياء "مبدأ مونرو" للهيمنة المطلقة على أمريكا اللاتينية والتدخل في شؤونها عبر دعم حلفائه من اليمين المتطرف في تلك المنطقة. وهي كذلك تعبر عن رفض شعبي لرهن ثروات البلاد والموارد الاستراتيجية مثل المعادن النادرة للشركات الأمريكية.
كما يمنح فوز لولا دا سيلفا دفعة معنوية كبرى لتيار اليسار الديمقراطي عالميا، ويُقرأ كتراجع لزخم اليمين المتطرف الذي يراهن عليه ترامب، مما يساعد الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الامريكية المقبلة في نوفمبر.
ورغم ان مؤشرات استطلاعات الرأي الأمريكية تُظهر تقدما للديمقراطيين وتراجع تأييد ترامب، لكن العامل الخارجي يظل ثانويا مقارنة بوطأة الملفات المعيشية الملحة داخل الشارع الأمريكي كالتضخم والهجرة وغيرها.
ورغم ذلك تعتبر هذه النتائج بمثابة انتكاسة سياسية مباشرة للرهانات الخارجية لإدارة ترامب والتي سعت عبر قنوات دبلوماسية وضغوط مختلفة لدعم عائلة بولسونارو بغية بناء حزام إقليمي موال . كما يمكن اعتبار هذا الفوز بمثابة رد مباشر على سياسات الرسوم الجمركية الأمريكية والعقوبات المشددة .
ولا ننسى ان البرازيل تعد الركيزة الأساسية لتكتل بريكس في نصف الكرة الغربي، ففوز لولا يضمن التزام البلاد بدفع نظام عالمي متعدد الأقطاب، على عكس منافسه اليميني الذي كان يلوح بقطع العلاقات مع بريكس والاتجاه كليا نحو واشنطن. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا يعني فوز اليسار في البرازيل مقابل صعود المد اليميني المحافظ في باقي دول الاقليم؟
المعلوم ان البرازيل تقود تحت الحكم اليساري مبادرات داخل بريكس لتعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة الدولية وتطوير آليات مالية بديلة عن منظومة الدولار تفكك الحصار الاقتصادي وسلاح العقوبات والتعريفات الجمركية الأمريكية.
كما يضمن بقاء اليسار استدامة الشراكة التجارية والاقتصادية الأبرز مع الصين وتوسيع الروابط مع دول الجنوب العالمي بعيدا عن شروط الإذعان الغربية. إلى جانب مقاومة الضغوط للانضمام إلى تحالفات أمنية وعسكرية موجهة في منطقة أمريكا اللاتينية مثل "درع الأمريكيتين" حفاظا على عقيدة عدم الانحياز.
وتستند البرازيل إلى إرث عريق من المهنية الدبلوماسية العالية عبر وزارة خارجيتها العريقة ، مما يمنحها هامش مناورة واسعا للتحرك الدولي المستقل بمعزل عن التقلبات الحزبية الضيقة. ولا تسعى برازيليا تحت قيادة لولا إلى التبعية المطلقة لأي قطب عالمي جديد بديل عن واشنطن، بل تتبنى استراتيجية مزدوجة المسار، فهي تحافظ على شراكاتها الاقتصادية والتجارية الحيوية مع الصين - وهو شريكها التجاري الأول في الحبوب والمعادن- ، وفي الوقت ذاته تتعامل بندية تامة مع الولايات المتحدة وأوروبا وتدفع نحو اتفاقيات كبرى مثل اتفاقية التجارة الحرة التي تم توقيعها مؤخرا بين الاتحاد الأوروبي وتكتل "ميركوسور" الذي تعد البرازيل احد اقطابه، مؤكدة أن وزنها كقوة إقليمية كبرى يفرض احترام سيادتها وقرارها المستقل على رقعة الشطرنج الدولية.
تتجسد عبقرية لولا في مسيرته الإنسانية الفذة، فقد ولد في عائلة فقيرة معدمة في شمال شرق البرازيل، وبدأ حياته العملية طفلا مكافحا في الشوارع كبائع متجول قبل أن يعمل عاملا في المصانع. هذه البدايات القاسية صنعته ليصبح زعيم الحركة النقابية الأشهر في مواجهة الحكم العسكري.
لم يكن لولا مجرد سياسي تقليدي، بل تحول إلى زعيم شعبي يرى فيه ملايين المهمشين والفقراء أنفسهم وحلمهم المشروع في الحياة الكريمة. وساهم خطابه العفوي وقدرته الفائقة على مخاطبة وجدان الشارع البرازيلي بلغة بسيطة ومباشرة في نسج رابطة ثقة عميقة صمدت أمام كل محاولات التشويه والملاحقة السياسية وصولا إلى محنة السجن التي تجاوزها ليعود أقوى سياسيا وشعبيا.
إن فوزه التاريخي بولاية رابعة واستمراره في قيادة المشهد -في نظام سياسي ديمقراطي وانتخابات شفافة- حتى عام 2030 يثبت أن شخصيته القتالية وإرادته الحديدية تجعلان منه ظاهرة سياسية نادرة عابرة للقارات، قادرة على تحويل الهزائم المؤقتة إلى انتصارات كبرى تخلد اسمه في تاريخ أمريكا اللاتينية والعالم.
ويمكن القول بان امتدادات فوز لولا بولاية رابعة لا تتعلق فحسب بانتصار إضافي في سجل حزب العمال البرازيلي، بل هو بمثابة إعلان مدو بأن العملاق اللاتيني اختار طريق الكرامة والسيادة المستقلة. والأكيد أن المرحلة المقبلة ستشهد بلا شك مخاضا عسيرا من التجاذبات السياسية والتجارية، سيكون عنوانها الأبرز ، ندية سياسية واضحة والبحث عن الطريق الثالث بعيدا عن نزعات الهيمنة الأمريكية .
وفي المقابل ، تصطدم طموحات لولا الإصلاحية بواقع داخلي بالغ التعقيد يفرضه النظام السياسي البرازيلي المتخم بالتفتت الحزبي، حيث يتجاوز عدد الأحزاب الممثلة في الكونغرس العشرين حزبا. هذا المشهد أفرز مفهوما فريدا يُعرف بـ "الرئاسية الائتلافية" والذي يحتم على أي رئيس – بغض النظر عن توجهه اليساري أو اليميني – الاستحالة المطلقة للحكم منفردا أو تمرير القوانين والتشريعات دون شبكة واسعة من التحالفات مع أحزاب الوسط والأحزاب الصغيرة. ورغم أن هذا النظام يعدّ صمام أمان دستوري يفرض التوازن ويمنع تغول السلطة التنفيذية، إلا أنه يضع حكومة لولا أمام اختبار عسير ومساومات سياسية يومية شاقة، مما قد يشكل عائقا أمام سلاسة تطبيق برنامجه الاجتماعي والاقتصادي الطموح خلال ولايته الرابعة.
ولئن عكس الفوز استمرارا لقيادة اليسار في البرازيل، وتحديا لموجة التحولات نحو اليمين التي شهدتها دول أخرى في أمريكا اللاتينية، الا ان الأكيد أن ما تشهده اليوم البرازيل من استقطاب انتخابي ليس صراعا عابرا بل هو جزء من استقطاب إقليمي حاد يعيد رسم خريطة النصف الغربي وأمريكا اللاتينية على وقع صعود تيار يميني محافظ وشعبوي يتبنى ما يُعرف بـ "العقيدة الترامبية". وتتغذى هذه الموجة اليمينية الارتدادية على أزمات هيكلية كالاستياء الشعبي من التضخم وعجز الحكومات عن كبح جماح الفساد، وتفشي الجريمة المنظمة التي دفعت الناخبين نحو خيار القبضة الأمنية الحديدية وتقليص دور الدولة، على غرار النموذج الذي أرساه خافيير ميلي في الأرجنتين . هذا المحور الموالي لواشنطن، والذي لم تنطفئ جذوته في البرازيل رغم فوز لولا، بات يمثل رأس حربة لإدارة ترامب في مساعيها لاستعادة السيطرة على ما تراه "فناء خلفيا"، ومحاصرة النفوذ الصيني، الأمر الذي جعل القارة منقسمة بوضوح بين معسكرين، محور يميني يراهن على التحالف المطلق مع واشنطن، ومعسكر يساري لا يزال يناضل من أجل تثبيت دعائم السيادة والاستقلال الاقتصادي في عالم محكوم بالتحولات وبمعادلات القوة والنفوذ والهيمنة.
لطالما ألهم لولا دا سيلفا بما يمثله من قيم ومبادئ وتوجهات جيلا كاملا من المناهضين للهيمنة والاستعمار حول العالم. وقد تجسد هذا النهج بأصدق صوره في انحيازه الجريء والثابت للعدالة الإنسانية، وتحديدا في موقفه التاريخي المندد بالإبادة الجماعية في غزة، ودعمه الفاعل للمسار القضائي الدولي ضد الاحتلال الصهيوني. وبذلك فان بقاء لولا يعطي زخما إنسانيا لضمير الجنوب العالمي ، باعتباره درعا سياسيا ودبلوماسيا قويا للقضايا العادلة - وفي طليعتها القضية الفلسطينية –وصوتا مدويا لا يمكن إسكاته في المحافل الدولية.