مبادرة الثلاثي: بلا سياسة بلا احزاب

في النشيد (الكتاب) الثاني من الإلياذة  تحمل قصة

اختبار الجيش مشهدا قد يكون الوقوف عليه اليوم مهما للفاعلين السياسيين في البلاد من خارج السلطة، خاصة الجزء الذي ينقل لنا التناقض بين تيرسيتس و أوديسيوس في التعامل مع انتشار السخط في صفوف الجيش وانتشار مطلب ترك الحرب والعودة الى الديار.

في هذا الجزء من القصة يظهر تيرسيتس من بين الجنود ليعبّر علنا عن سخط المنتشر بينهم وعن نقده لـأغاممنون وقادة الجيش ليعبر عن الغضب العام ويردد ما يريد الجمهور سماعة، لكنه يواجه بعصا أوديسيوس، الذي لم يساير المزاج العام للجمهور بل تعامل معه كقوة سياسية يمكن توجيهها وليس كاصوات غاضبة تتم مسايرتها وتردد صداها. لينتهى الجدل  بعودة الانضباط للجيش.

ما تخبرنا به القصة هو ان النخب/القادة لا يجب ان يسايروا المزاج العام خاصة ان كانوا يدركون الخطأ الذي تقود اليه المسايرة، بل عليهم ان يواجهوا وان يوجهه بما لا يرغب في سماعه، وهذا للاسف ما لا يعكسه سلوك جزء من النخب السياسية في تونس اليوم التي تبحث عن التناغم مع المزاج العام لا وتوجيهه وقيادته خاصة ان تعلق الأمر بالأحزاب التي بات الاقتراب منها "تهمة" يبحث جزء واسع من النخب وقادة المنظمات على تجنبها وتجنب ان تتهم بممارسة "السياسية".

وهو ما تذهب اليه اليوم مبادرة الثلاثي الجديدة التي يقودها كل من اتحاد الشغل وعمادة المحامين والرابطة، مبادرة تعلن ان اهافها البحث  عن حلول للبلاد  وأزماتها عبر أرضية للحوار السياسي  حول قضايا تتصل بالحكم. مبادرة مفتوحة امام الجميع الا "الاحزاب" التي يعلن عن استبعادها وفرض شرط ان يشارك قادتها او المنتسبون اليها باسمائهم وبصفتهم الشخصية وليس التنظيمية.

هذا ليس تفصيلا، بل هو جوهر الازمة التي تعيشها البلاد  التي تطرح  ثلاثة من أبرز منظماتها مبادرة سياسية  ترفع شعار الابتعاد عن السياسة والأحزاب مسايرة لمزاج عام تصاعدت فيه حدة الانتقاد للاحزاب السياسية ورفضها . رغم ان البيان الاول المعلن عن المبادرة يطرح  أكثر من قضية سياسية تتعلق بمعالجة أزمات البلاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عبر الحوار بين القوى المختلفة.

هنا تقدم لنا المنظمات الثلاثة نموذجا عن فخ الطوهرية والاستقلالية عن الاحزاب وما انتجه من  اختلال فكك كل مقومات العمل السياسي، نمودج قد يدافع عنه قادة المنظمات برغبتهم في  حماية المبادرة من الاصطفاف، او  تعثر الانطلاقة ونفور الشارع بسبب وجود أحزاب ولفتاتها او من انحراف النقاش من البحث عن أرضية مشتركة إلى صراع على النفوذ او ان تفهم المبادرة كتحالف جديد بين الاضداد وغيرها من الحجج التي يراد بها تبرير قرار استثناء الأحزاب من المشاركة في المبادرة.

تفسير، مهما كان وجيها في نظر البعض   الا انه لا يكفي لمغادرة المفارقة التي فرضتها المنظمات على مبادرتها. فهي تريد تجميع القوي لإحداث توازن سياسي في وجه السلطة ولكنها في الوقت نفسه ترفض ان تحمل المبادرة طابعا سياسيا او ان تلتحق بها الاحزاب، وهي بهذا كمن يريد الطبخ دون قدر ولا نار ولا مكونات.

ولا تقف معضلة هذا الخيار عند هذه النقطة، فله ثمن إضافي وهو انفصال هذه المبادرة منذ البداية عن جزء واسع من الساحة السياسية القائمة، فعدد من الأحزاب التونسية ليست مجرد هياكل خاوية ولا تنظيمات مجهرية مكن إخراجها من المشهد ومواصلة النقاش السياسي وانتظار نتائج ايجابية.  عدد من هذه الأحزاب هي جزء متجذر في  الحياة السياسية، لها مواقعها وشبكاتها وانصارها وأدوات تأثير   حتى وان كان الاعتقاد الراسخ بأنها فقدت إشعاعها  وثقة المجتمع  الذي بات ينفر منها. الا ان ثمن استثنائها من المشاركة هو ان يحكم على المبادرة ان تتحرك في حدود سياسية ضيقة  تفقدها اي افق مستقبلي.

فالامر هنا يتعلق بنزوع جزء من قادة المنظمات التونسية ونخب البلاد الى الاعتقاد بانه يمكن ممارسة السياسية وانتاج فعل سياسي دون ممارسة السياسية، والاعتقاد انه بالابتعاد عن الأحزاب يمكن ان تتطور المبادرة واطارها التنظيمي وان تحدث توازنا سياسيا.

هذا النزوع الى الطريق السهل ومسايرة المزاج العام وقول ما يريد سماعه هو الخطر، فان تفقد النخبة شجاعتها وان تتجنب قدر استطاعتها تحمل  الكلفة السياسية لخيارتها فانها تفقد اليا قدرتها على ان تنتقل بالسخط العام من شعور الى فعل وقوة سياسية يمكنها تغير الموازين.

والموازين لا تتغير بإنتاج الفراغ وتجنب  السياسة او بنخب هاجسها مجاراة المزاج العام لا اقناعه.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115