زيارة ولي العهد السعودي الى مصر هل تلتحق القاهرة بحلف مكة؟

 

 على وقع طبول حرب لا تتوقف وتهز الخليج والمنطقة

ككل، تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى العاصمة المصرية القاهرة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تزامنا مع تصعيد عسكري غير مسبوق وحالة من الغليان تشهدها المنطقة. ففي الوقت الذي كانت فيه المباحثات جارية في قصر الاتحادية، أعلن الحوثيون عن تنفيذ عمليات عسكرية واسعة استهدفت منشآت تابعة لشركة "أرامكو" في ينبع وقاعدة خميس مشيط الجوية بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ردا على غارات جوية مكثفة طالت معسكراتهم ومواقعهم في تعز ومحافظات يمنية عدة. هذا التصعيد الميداني يعكس رغبة حوثية محمومة لفرض معادلات ميدانية جديدة بدعم إيراني معلن، بالتوازي مع انعقاد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي حذرت من خطورة التهديدات الموجهة لحرية الملاحة الدولية في باب المندب والبحر الأحمر.

وقد بلغ التصعيد مرحلة أشد خطورة عقب إعلان الرياض أن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمرت طائرة مسيّرة أطلقتها جماعة الحوثي جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة، في محاولة وُصفت بأنها الثانية من نوعها بعد حادثة صاروخ جويلية 2017 . وفي الوقت الذي أكد فيه المتحدث باسم قوات التحالف، اللواء تركي المالكي، أن أمن الحرمين الشريفين يمثل"خطا أحمر"، سارعت جماعة الحوثي على لسان قياداتها ومتحدثها العسكري إلى نفي هذه الرواية تماما ومؤكدة أن عملياتها تستصرخ الرد وتقتصر على استهداف منشآت نفطية وقواعد عسكرية داخل العمق السعودي.

وقد أثار هذا التباين تفاعلا عارما حيث خرجت إدانات إسلامية ودولية واسعة-من بينها مواقف صادرة عن منظمة التعاون الإسلامي وباكستان ودولة قطر- استنكرت بأشد العبارات أي محاولة للمساس بحرمة الأماكن المقدسة أو توظيفها في أتون الصراعات، مجددة التضامن التام مع المملكة في حماية أمنها.

ويعود جذور الصراع المباشر مع الحوثيين إلى محطات سابقة تخللها تدخلا لتحالف العربي عام 2015 في اليمن ، غير أن الجولة الراهنة تأخذ أبعادا أخطر ارتباطا بالصراع الإقليمي الواسع. فالحوثيون يسعون عبر ضرب أرامكو وقاعدة خميس مشيط للضغط على الرياض .وفي المقابل، تجد المملكة نفسها أمام حتمية اللجوء الى معادلة إقليمية أوسع لحماية أراضيها وأمن مقدراتها الاقتصادية وسلاسل الإمداد العالمية للطاقة.

وبالموازاة، كشفت تقارير استخباراتية وعسكرية عن تحركات أمريكية ودولية مكثفة، إذ تعمل قوة مهام عسكرية أمريكية حاليا على تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية وتقديم الدعم في التخطيط للقوات السعودية لمواجهة الهجمات المتصاعدة. إلا أن الاستراتيجية السعودية لصد الهجوم لا تعتمد فقط على الدعم التقني الغربي، بل ترتكز أساسا على تعزيز حلف مكة الموقع مع باكستان وتركيا ربما دفع القاهرة الى الانضمام باعتبارها شريكا استراتيجيا هاما للرياض.

وفي مسار متصل يعكس حساسية الوضع الدبلوماسي والأمني، أجرت الرياض مشاورات مكثفة مع قوى دولية وإقليمية شملت مباحثات مع روسيا عبر وزيري الخارجية، أكدت ضرورة خفض التصعيد في منطقة الخليج وحماية أمن الطاقة وحرية الملاحة. وفي ذات السياق، ألقت التطورات الميدانية بظلالها على الأجندة الدبلوماسية، حيث طلبت السعودية تأجيل اجتماع إقليمي كان مقررا في سلطنة عمان يضم دول الخليج وإيران، وذلك على خلفية التطورات الميدانية الأخيرة والتصعيد المتسارع في اليمن، مما يعكس بوضوح تعقيدات المشهد الإقليمي وانعكاسات المواجهة على مسارات الحوار المفتوحة.

وقد أعاد هذا التصعيد المتسارع طرح التساؤلات الاستراتيجية الكبرى في كواليس الدوائر السياسية فهل سيدفع هذا التصعيد الرياض لتفعيل "حلف مكة"؟ وهل ستنضم مصر بشكل مؤسسي كامل إلى هذا الحلف الذي يضم اسلام آباد وانقرة والرياض؟

الواقع أن المتابع للموقف المصري - السعودي يلحظ تطابقا كاملا في الرؤى والمصالح، فالمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية أكد مجددا أن أي اعتداء أو تهديد يمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها أو حرية الملاحة في الممرات البحرية هو تهديد مباشر للأمن القومي المصري. وعليه،فإن التعاون العسكري المشترك - الذي تجسد مسبقا في بروتوكولات التعاون للأمن البحري الموقعة في سبتمبر 2025 – مرشح للارتقاء إلى مستويات عملياتية أقرب ما تكون إلى مظلة دفاعية مشتركة أو ما يُعرف مجازا بـ"حلف مكة" أو التحالف الاستراتيجي الشامل.

وبالنسبة لمصر فان أمن البحر الأحمر هو خط أحمر والسيطرة على باب المندب يمثل تهديدا مباشرا لأمن القاهرة . اذ يُعد مضيق باب المندب شريانا استراتيجيا بالغ الحساسية للأمن القومي المصري واقتصادها، نظرا لارتباطه المباشر والوثيق بقناة السويس . كما يمثل باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو الممر الإجباري الذي تسلكه السفن والقوافل البحرية القادمة من آسيا وأفريقيا في طريقها إلى أوروبا عبر قناة السويس.فأي تعطيل أو تهديد لهذا المضيق يعني فورا اضطراب حركة الملاحة العالمية،مما ينعكس سلبا ومباشرة على عدد السفن الحرة العابرة للقناة وحجم البضائع المتبادلة.

كما تُعد قناة السويس أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري. وفي حال تعرض باب المندب لمخاطر أمنية مستمرة أو هجمات عسكرية،تضطر الشركات الملاحية العالمية إلى تغيير مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح الطويل والمكلف، وهو ما يوجه ضربة قاسية لعائدات قناة السويس المصرية.

لذلك فان ارتفاع المخاطر في باب المندب يؤدي إلى قفزة هائلة في تكاليف الشحن البحري وأقساط التأمين على السفن العابرة، مما يضع أعباء إضافية على الاقتصاديات العالمية بما في ذلك الاقتصاد المصري الذي يتأثر بارتفاع أسعار السلع الواردة. 

عدا عن ذلك فإن البحر الأحمر يقع في صلب الدائرة الاستراتيجية للأمن القومي المصري. فوجود جماعات مسلحة تسيطر على الساحل الغربي اليمني أو تهدد باب المندب على غرار الحوثيين ، يجعل الساحل الشرقي لمصر والبحر الأحمر كله عرضة لتهديدات عسكرية مباشرة . من هنا فإن القاهرة تعتبر أن أمن البحر الأحمر وباب المندب هو امتداد أمني لا غنى عنهلاستقرار سيناء ومدخل قناة السويس.

لذلك فان هذا الترابط المصيري يدفع مصر والسعودية نحو تنسيق استراتيجي مكثف ومؤسسي  لحماية أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.

وفي سياق متصل بمساعي تأمين العمق السعودي واحتواء التهديدات المتصاعدة، أكد المتحدث باسم الجيش الباكستاني ، اللواء أحمد شريف شودري، أن الهدف الأساسي من هذه الاتفاقية التاريخية هو تحقيق "الردع الجماعي" والدفاع عن الدول الثلاث. وأوضح المسؤول العسكري أن الاتفاقية تضفي طابعا رسميا على علاقات استراتيجية ممتدة لعقود، مشددا على أنها ذات طابع دفاعي بحت تهدف لحماية الدول الأعضاء دون وجود أي "طموحات إقليمية" أو نزعات هجومية. ويأتي الكشف عن تفاصيل هذا الحلف الثلاثي ليؤكد توجه القوى الإقليمية نحو بناء منظومات ردع تضامنية لمواجهة المخاطر المتمثلة في اتساع رقعة الصراعات العابرة للحدود.

على صعيد آخر، تتسم الأزمة الحالية بكونها حلقة في المواجهة الشاملة والمتعددة المستويات والأبعاد بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة وإيران وحلفائها في المنطقة من جهة اخرى. فطهران تستخدم ورقة الحوثيين لتصعيد الضغط العسكري في الإقليم لربح ورقات أخرى للتفاوض الأخير في المراحل القادمة ، بينما تحاول واشنطن وتل أبيب إعادة ترتيب ملامح المنطقة أمنيا وجيوسياسيا بما يخدم مصالحهما الاستراتيجية.

وفي خضم كل هذه التطورات المتسارعة ، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مفترق طرق خطير، فإما الاستمرار في الخضوع لترتيبات الولايات المتحدة التي تهمش القرار العربي، أو نجاح المحور المصري - السعودي في فرض قواعد جديدة عبر صياغة رؤية تسوية شاملة لاحتواء التصعيد وفرض معادلة ردع مستقلة تحمي الممرات المائية وتكبح جماح الفوضى. وحدها الأيام القادمة كفيلة بإظهار ما إذا كانت نيران باب المندب ستشعل الاقليم، أم أن التحركات الدبلوماسية ستنجح في إطفاء جذوة البركان قبل الانفجار وقبل أن تتضاعف أكثر الفاتورة الإنسانية والأمنية والاقتصادية الباهظة لأزمات وحروب المنطقة ؟

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115