تونس عند رقم العجز الذي بلغ في الأشهر الثمانية الأولى من هذه السنة 17.8 مليار دينار، على اعتباره نقطة محورية تكشف حقيقة هشاشة اقتصادنا. أما بقية العناصر والتفاصيل فهي هامشية، وظيفتها أن تشرح العجز وتبين أبوابه. هذا الاختزال يحجب نصف الكأس الملآن، وهو ما تتحمله الجداول وما تخفيه من بين أسطرها من فرص ممكنة.
إذ إن المؤشرات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، في علاقة بالميزان التجاري، لا تقف فقط عند الكشف عن حجم الواردات البالغ 62.5 مليار دينار، وما يقابله من صادرات بـ44.7 مليار دينار، ولا عند طبيعة العجز وهيكلته، التي تخبرنا بأن نصف عجزنا التجاري هو عجز طاقي.
في حين يتوزع النصف الباقي بين مواد استهلاكية ومواد غذائية، والجزء الأهم والأكثر دلالة، والذي يحمل معه فرصاً، هو القسم الخاص بالعجز في المواد نصف المصنعة والمواد الأولية وغيرها من المدخلات الضرورية للنشاط الاقتصادي وتشغيل محركاته، إضافة إلى معطيات دقيقة عن الصادرات، حجماً وصنفاً وعائداً مالياً. وهي حزمة من التفاصيل يسمح ربط بعضها ببعض باختراق الصورة الأولى ورصد الفرص الكامنة في عجزنا التجاري.
لفهم الأمر، لابد من العودة إلى الأساسيات وفهم ماذا نصدر ولمن، وماذا نستورد وممن. هنا ستتوقف العين عند الأرقام التي تقول إن البلاد تستورد من الشرق ومبادلاتها التجارية معه سالبة، في حين تصدر إلى أوروبا وتحقق فائضاً تجارياً. وقائمة ما نستورده لا تقف عند البضائع الاستهلاكية، بل تشمل أيضاً المعدات والآلات، والحديد والصلب، والبلاستيك والقطن والمواد الكيميائية. وهنا يبرز الثنائي الصيني والهندي كأهم موردين لتونس في عدد من المواد الأولية والمواد نصف المصنعة. في حين تهيمن على صادراتنا المنتجات الفلاحية وبعض المواد المصنعة من مكونات السيارات والمكونات الكهربائية والصناعات الميكانيكية.
الأرقام هنا تقول شيئاً بسيطاً، لكنه يغير طريقة قراءة ميزاننا التجاري وعجزه والفرص الكامنة فيه، وهو أن خريطة تجارتنا أكثر تعقيداً من أن تختزل في الطبقة الأولى، أي العجز المتواصل. هناك فرص وإمكانات كامنة لاقتصادنا داخل سلاسل الإنتاج العالمية، تتجاوز ما نشغله اليوم من مواقع محدودة القيمة والحجم.
ما يخبرنا به الميزان التجاري أن ما يدخل إلى تونس من آلات ومعدات ومواد أولية ونصف مصنعة ومكونات صناعية، لا ينتهي بالضرورة عند السوق المحلية. بل إن جزءاً منه يدخل في عملية إنتاج ثم يخرج في صورة منتجات أخرى إلى الأسواق الخارجية. وهنا تظهر المسافة بين الدور الذي تلعبه تونس اليوم والذي قاد إلى هذا الخلل والضعف الاقتصادي وبين الفرص الممكنة لتونس في سلاسل القيمة العالمية.
فنحن وإن كنا موجودين بالفعل في سلاسل الإنتاج ولكن بقيمة مضافة دنيا وبعائد ضعيف نتيجة محدودية دور المصانع التونسية في سلاسل القيمة، حيث يقف دورها في أغلبه عند نقطة تجميع وتحويل قبل إعادة تصديرها. أي ضمن إطار العمليات المحدودة التي تفضي في النهاية إلى أن تبقى حصتنا والعائد المحقق لنا محدوداً جداً.
هذا موقعنا في الخريطة كما تبينه أرقام وارداتنا التي تكشف مثلاً أن الصين ليست فقط مصدراً للسلع الاستهلاكية لتونس، بل أيضاً هي مورد مهم للمعدات والآلات والحديد والصلب والبلاستيك والمواد الكيميائية، والتي تعتبر مدخلات صناعية ينتهي جزء منها في السوق الأوروبية التي تظل الوجهة الرئيسية للصادرات التونسية، بما يقارب 70 بالمائة من إجمالي الصادرات خلال الأشهر الثمانية الأولى للسنة الحالية.
هذا موقعنا منطقة وسط بين فضاءين اقتصاديين، منطقة تستقبل مدخلات وتجهيزات تأتي من أسواق آسيوية تدخل في عمليات إنتاج وتحويل وتجميع، ثم تخرج منتجات ومكونات إلى الأسواق الأوروبية. وهو ما يضعنا في سلسلة الإنتاج العالمية بدور محدود القيمة المضافة.
وهذا ما يستحق أن ننتبه إليه، فتونس تملك بالفعل جزءاً من الشروط التي تسمح لها بلعب دور أهم، قاعدة صناعية مرتبطة منذ سنوات بصناعات السيارات والكهرباء والميكانيك والنسيج، ومؤسسات تعمل وفق متطلبات الأسواق الخارجية، وقرب جغرافي من السوق الأوروبية، كلها تجعل الانتقال من مرحلة إلى أخرى داخل سلسلة الإنتاج أمراً ممكناً.
وهذه هي الفرصة التي يذكرنا بها ميزاننا التجاري مرة أخرى، فهو لا يكشف فقط عن حجم عجزنا بل يشح طبيعته ويكشف عن الفرص الكامنة فيه.