التأخير في التهدئة مكلف

لم يعد نمط إدارة الأزمات في البلاد خفيا

بل هو صلف في تجلياته التي تنطلق بنفي الأزمات عبر نزع صفتها كأزمة والمراهنة على ان يقع احتواؤها في صمت و ضبط المجال العام عبر إدارته أمنيا وقضائيا، في نهج يتجنب  تفكيك التوتر وأسبابه ويبحث عن إلهاء يزاحم أصل الأزمة و يرفع كلفة الاعتراض.

هذه الآلية في إدارة الشأن العام  نجحت عدة مرات ومكنت من  كسب الوقت، لكنها تحمل في داخلها تناقضها الخاص، فاللجوء المفرط لهذا التكتيك في إدارة شؤون الحكم القائم على إدارة تداعيات الأزمات عوضا عن اسبابها يقود الى تراكم عناصر التوتر خارج الخطاب والعقل ويمهد لبلوغ الأزمات نقطة لا يمكن فيها معالجتها دون كلفة باهظة.

هذا ما يسقط من استراتيجية الإلهاء وصناعة عدو مجهول التي مكنت في مراحل سابقة  من  امتصاص أزمات اجتماعية  وتأجيل انفجارها، باغراق الفضاء العام في معارك جانبية تجعل من أصل الأزمة أقل حضورا في المجال العام الذي يستشري فيه الخوف والحذر، غير انه لا استراتيجية  تعيش خارج الزمن، وما ينجح في لحظة محددة لا يمكنه ان ينجح بذات الفاعلية حين تتغير شروطها.

واليوم تغيرت الشروط في تونس أو هي على أعتاب التغيير، في ظل أزمات معيشية يخوضها  المواطن في جل تفاصيل يومه تجعل من الرهان على الإلهاء والخوف غير مجدي ولا قادر على احتواء اي توتر قد ينفجر في ظل تراكم مصادره الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فلا  خطاب ولا عدو اليوم يمكنه أن يحل محل الماء ولا أن يخفف من ثقل ارتفاع الأسعار على حياة التونسيين. بل قد يصبح هذا الخطاب نفسه هو ما يعيد انتاج التوتر.

وتلك هي المعضلة التي تواجه البلاد ومؤسساتها الرسمية  اليوم ، ففي السياق الراهن والمستقبلي للبلاد تزداد الحاجة الى التهدئة وتنقية المناخ الاجتماعي  لكن تستمر إدارة الشأن العام بذات الأدوات التي أنتجت الوضع، وكأننا لا ندرك ان الأرض التي يتحرك فوقها الجميع بما في ذلك  السلطة لم تعد هي نفسها.

فالضغوط المعيشية تتزايد، وأزمات الخدمات طالت حياة التونسيين بشكل مباشر وكشفت عن تراجع قدرة الدولة على  امتصاص الصدمات الاقتصادية،  التي تتفاقم بما تضمنته تفاصيل نسبة التضخم لشهر أوت 2026 التي أصدرها المعهد الوطني للإحصاء نهاية الأسبوع الفارط، إذ أن الارقام تعلن عن مؤشرات مقلقة، تتجاوز نسبة التضخم العام  المقدر بـ5،4% الى تداعياتها  في سلة إنفاق الأسرة التونسية،  التي ارتفعت أسعار غذائها بنحو 7.8%،  لتفاقم من الضغط وترفع كلفة ضروريات حياتها وتستنزف دخلهم ومواردهم.

هذه البيانات التي وان لم تقل صراحة أننا أزاء موجة تضخم جديدة، الا أنها تحذرنا من خطرها الوشيك، خاصة وان التضخم  لم يعد محصورًا في  سلة الغذاء، حيث ارتفع التضخم الأساسي إلى 4.9%، وزيادة أسعار المواد الحرة بـ6.5% فحين أن المواد المصنعة والخدمات تواصل الارتفاع بنحو 4.7% و4.3%.  وهو ما قد ينعكس خلال الأشهر القادمة بارتفاع نسبة التضخم في قطاعات عدة لتبلغ نسبة سلة الغذاء فوق 7%، وهذا قد يحدث صدمة أسعار موجات ارتدادية داخل الاقتصاد.

فحينما يلتقي ارتفاع الأسعار مع هشاشة الاقتصاد ومجتمع جزءا هاما منه لا يملك دخلاً  يسمح له بملاحقة ارتفاع كلفة المعيشة مما يفاقم من تدهور قدرتهم  الشرائية ويغذي الغضب المتراكم والمكبوت ويغير طبيعة المشهد برمته في البلاد التي قد يرتفع منسوب الاحتقان فيها ويقود الى ربط كل الأزمات معا بمضاعفة أثر كل أزمة لأثر آخر، ويرسخ انطباعا بتدهور شروط العيش.

هذا بالتحديد الخطر الذي يجب الانتباه اليه فنحن إزاء مناخ اجتماعي متوتر  قد تقوده  أية أزمة مفاجأة الى رد فعل  غير منضبط ولا متوقع وبالتالي لا يمكن احتواءه بذات الأدوات وبتكلفة منخفضة، وعوضا عن لانتباه لما يهدد البلاد من مخاطر محدقة وإدارة شؤونها وفق لذلك، تختار المؤسسات ان تنتهج ذات الخيارات التي أدت بها إلى هذه النقطة.

وهنا قد يكون لإيقاف رئيس تحرير موقع «كتيبة» محمد اليوسفي معنى يتجاوز ملفه القضائي، وهو الكشف عن استمرار النهج القديم لإدارة الشأن العام وأزماته في لحظة سياسية واجتماعية تفترض  تقليل مصادر الاحتكاك وعناصر التوتر لا إلى إضافة مصادر جديدة، ويكشف أن السلطة ما زالت تدير ملفاتها وفق معادلة المرحلة السابقة، غافلة عن كل التطورات وعن حكمة سون تزو  بتجنب  تكرار الاستراتيجية الناجحة ان تغيير الظروف والشروط، فالنجاح السابق لا يعني نجاح دائما وحتمي.

وفي تونس، التي ترنح تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية تبرز أهمية تغيير إستراتيجيات ادارة الصراع وأدواته والذهاب الى إدارة أكثر مرونة يمكنها احتواء التوتر المتزايد عبر استعادة مجال العمل السياسي وتغيير الدولة لطريقة تعاملها مع الغضب والاعتراض، وان تستبق دخول مرحلة جديدة من الضغوط المعيشية، اختارات السلطة ومؤسساتها إضافة عنصر توتر جديد وتقليص مساحات مناقشة السياسات العامة ومساءلتها، وهذه هي رسالتها عبر ايقاف الصحفي محمد اليوسفي .

وهنا المسألة أعمق من علاقة السلطة بالصحافة ومن تفاصيل ملف قضائي لا نملك التعليق عليه، بل تتعلق بسياسة السلطة في إدارة مشهد سياسي واجتماعي محتقن بالسعي إلى السيطرة على الفضاء العام  والمراهنة على  دفع الاعتراض والغضب  خارجه، وكأن هذا يكفي لمعالجة أسبابه أو معالجة التوتر الاجتماعي الذي يتشكل بالتدريج ويتراكم ينتظر خطأ أو لحظة ما لينفجر ويطلق كل ما تراكم من غضب واحباط.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115