والمطالبة بتفعيل القانون عدد 18 الذي سنّته الدولة بنفسها، لم تكن مجرد موجة احتجاج جديدة لهؤلاء بقدر ما كانت إعلانًا عن أزمة ثقة تشكلت بين السلطة والمجتمع. إذ إن هذا الملف اليوم لم يعد مقتصرًا على آليات تطبيق القانون أو الجداول الزمنية للتنفيذ، بل بات يعكس إشكالًا أعمق يتعلق بعقل الدولة وحدود القدرة السياسية على إدارة الملفات الاجتماعية في ظل واقع اقتصادي ومالي شديد التعقيد.
فحينما اختارت مؤسسات الدولة، ممثلة في البرلمان ورئاسة الجمهورية، تمرير هذا القانون، لم تكن تجهل وضع المالية العمومية ولا هشاشة توازناتها ولا الضغط الذي تمثله كتلة الأجور، التي تستأثر بجزء هام من الميزانية، ومحدودية هوامش المناورة نظرًا للوضع الاقتصادي وضعف نسب النمو ومصاعب تعبئة الموارد المالية، إضافة إلى مجابهة أي إنفاق طارئ.
لكن رغم ذلك، تم تمرير القانون تحت شعار الاستجابة لمطلب اجتماعي لآلاف العاطلين الذين انتظروا طويلًا أن تتخذ الدولة قرار إنصافهم وتسوية ملفهم، لتختزل الدولة البطالة وتقدمها كأزمة قانونية يمكن أن تعالج بنص استثنائي دون حاجة إلى معالجة أسبابها العميقة، ولا رسم سياسات عمومية شاملة للغرض، ولا مراجعة نموذج التنمية أو وضع استراتيجيات اقتصادية، إذ إن عقل الدولة سيطر عليه الاعتقاد بأن إنصاف هذه الفئة من التونسيين بنص قانوني كافٍ لوحده لمعالجة الأزمة.
والإشكال هنا ليس في سن القانون عدد 18 بحد ذاته، بل في دوافعه وفلسفته التي لم تأخذ بعين الاعتبار الواقع الاقتصادي والمالي للبلاد التونسية، الذي تداعى اليوم في شكل فجوة بين الوعد السياسي للقانون والقدرة الفعلية على تنفيذه، وهو ما اتضح بعد أقل من 6 أشهر منذ صدور القانون دون تنزيله على الأرض وتفعيل إجراءاته التطبيقية، وهو ما أدى إلى ارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي في الشارع الذي يضغط اليوم من أجل الالتزام بالوعود وتطبيق القانون.
بهذا تحول النص القانوني من أداة لاحتواء الاحتقان إلى مصدر ومنتج جديد له، ليكشف أن الخيار منذ البداية لم يكن متناغمًا مع واقع البلاد وقدرتها، بقدر ما كان منشغلًا بكسب الوقت وتأجيل الكلفة السياسية والاجتماعية للأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تتفاقم في ظل تجنب جل الحكومات المتعاقبة اتخاذ القرارات الصعبة. وها هو اليوم، وبعد أن كسب أقل من 6 أشهر للسلطة، يعود لينفجر في وجهها.
وهذه المرة لن يكون من الممكن احتواء غضب الشارع بنقاش عقلاني يشرح حقيقة الملف والتوازنات المالية والأزمة الاقتصادية، ولا خفض منسوب التوتر بالحديث عن تعقيدات إدارية وإجرائية. كل هذا كان ممكنًا قبل أن تصدر مؤسسات الدولة قانونًا وتسوق له كنصر سياسي بات اليوم حجة عليها، إذ إن العاطلين اليوم لا يطالبون الدولة بحل أزمتهم، بل بتطبيق القانون الذي أصدرته وعدم التنكر له كما وقع مع القانون عدد 38.
هنا يتنامى الضغط أكثر على السلطة ومؤسسات الدولة، فهي أقرت القانون وهي مدركة بأن الأوضاع التي حالت دون تطبيق القانون عدد 38 لا تزال قائمة، مما يعني أن فرضية عدم القدرة على تنفيذ القانون الجديد واردة، ولكنها اختارت أن تراهن على قدرتها على تنزيله، وهي اليوم تعجز عن ذلك وتخاطر بمصداقية السلطة والدولة نفسها، وتضع ثقة الشارع فيها محل مساءلة جديدة.
وهي أزمة لن تقف حدودها عند أصحاب الشهائد المعطلين، بل ستمتد لتطال الصورة الرمزية للدولة ومؤسساتها التي لا تستمد شرعيتها فقط من الصندوق، بل من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها واحترام تعهداتها السياسية والقانونية. فعندما يصبح الشارع يضغط من أجل تفعيل القانون وانتظار استجابة السلطة له، نكون أمام وضع خطير اجتماعيًا وسياسيًا.
فنحن هنا أمام احتقان يتراكم ويتمدد خارج الفئات المعنية مباشرة، ليتحول تدريجيًا إلى شعور جماعي بعدم اليقين، تتآكل معه الثقة في الدولة والسلطة، التي ستكون محاصرة بأسئلة عن مصير التزاماتها القانونية والسياسية الأخرى ومدى قدرتها على الوفاء بتعهداتها وبرامجها. وهنا تنتقل الأزمة إلى أزمة ثقة عامة، كان يمكن تفاديها منذ البداية بأن تتجنب الدولة ومؤسسات الحكم أخطاء الحكومات السابقة التي لطالما انتقدتها واتهمتها.
خطأ يمكن أن تعالجه الدولة بأن تمتلك الشجاعة لمصارحة التونسيين بحقائق الوضع الاقتصادي والمالي ومحدودية هامش الحركة لتنزيل سياسات اجتماعية ثورية، وأن تنتقل من إدارة الأزمة إلى معالجتها. والأمر لا يقتصر على أزمة التشغيل وتفعيل قانون من طالت بطالتهم، بل يشمل كل الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي إن انفجرت فإن كلفة معالجتها ستتضاعف: كلفة الأزمة الأصلية وكلفة فقدان الثقة.
المعطلون يحتجون لتفعيل القانون عدد 18: حينما يصبح النص حجة على الدولة
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 12/06/2026
- 45 عدد المشاهدات
بعودة أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل إلى الاحتجاج يوم أمس