مجلس إدارة البنك المركزي صورة إيجابية للاقتصاد، تستند إلى استقرار المؤشرات النقدية والمالية، وإلى تحقيق نمو في الثلاثي الأول من السنة الحالية بـ2,6 بالمئة، وتراجع العجز في الحساب الجاري بنقطة ونصف من الناتج المحلي، وارتفاع احتياطيات العملات الأجنبية.
هذه الصورة التي يقدمها لنا البنك المركزي، والتي توحي لأول وهلة بأن البلاد تمضي في طريق صحيح وأنها تجاوزت أوضاعها الصعبة، حتى وإن أبقى البنك على نسبة الفائدة المديرية في حدود 7 نقاط لوجود مخاطر تضخمية، تصطدم بمؤشرات أخرى تصدر عن مؤسسات مالية واقتصادية وإحصائية رسمية، تخبرنا، وإن بشكل غير مباشر، أن الأزمة الهيكلية للاقتصاد التونسي تتعمق يوما بعد يوم، وأن شروط النمو المستدام طويل المدى تتآكل يوما بعد يوم.
إذ، بعيدا عن التسويق الرسمي للوضع الاقتصادي، والذي يبحث عن ترسيخ انطباع بأن الأمور بخير، وأن الخيارات سليمة، وأن المسار سيقود في نهاية الطريق إلى الإقلاع الاقتصادي والرخاء، تخبرنا الأرقام والنسب والمعطيات الإحصائية الصادرة عن أكثر من مؤسسة بالحقيقة. وأول أركانها أننا اليوم أمام نمط في الخطاب الاقتصادي الرسمي وغير الرسمي يقوم على انتقاء المعطيات وتلميعها وتسويقها للرأي العام، باعتبارها مؤشرات إيجابية يراد لها أن تكون الدليل القوي على نجاح السياسات العمومية الاقتصادية التي عالجت اليوم أصل الأزمة وتعد غدا بالرخاء لكل التونسيين.
تسويق يبحث عن ترسيخ منجز اقتصادي، حتى وإن اقتضى الأمر تجاهل الحقيقة التي تقدمها لنا بقية المؤشرات والأرقام، وهي حقيقة هشاشة اقتصادنا التي تكشفها أرقام مجردة لا يقع تأطيرها أو شرحها، تلقى عرضا في التقارير والدراسات التي لا يقف على مضمونها غير أهل الاختصاص، وهو ما يشبه عملية دفع إلى الهامش لكل المؤشرات البنيوية الأكثر حساسية والأقدر على تفسير حقيقة الوضع الاقتصادي.
وضع لا يمكن أن يختزل في بلاغ أو بيان، ولا يمكن أن ينعكس في مؤشر أو بعض الأرقام التي تسوق الانطباع بالتحسن الظرفي، كارتفاع الاحتياطي من العملة الأجنبية أو تراجع محدود لعجز الحساب الجاري، أو نسبة النمو المحققة، أو تحسن الطلب الداخلي، وغيرها من المؤشرات التي تمر عبر الطريق السريع إلى العناوين الرئيسية، فتحدث جلبة وضوضاء تحولان دون الانتباه إلى الأرقام والمؤشرات البنيوية التي تخبرنا بالكثير، تخبرنا بتآكل الطبقة الوسطى وعجزها عن الاستثمار وتوجيه إنفاقها إلى الاستهلاك المعيشي، أي الإنفاق على الأساسيات.
هذه الطبقة التي فقدت اليوم قدرتها على التملك وعلى الاستثمار، وتتآكل قدرتها على الادخار، إذ تكشف مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء انهيار ادخار الأسر التونسية الذي تراجع من 8.6% سنة 2021 إلى 4.5% من الناتج المحلي سنة 2023، ثم إلى حوالي 2.5% سنة 2024. والسمة هنا ليست خاصة فقط بالأسر، إذ إن نسبة الادخار الوطني هي الأخرى انهارت وتراجعت من 23,5 بالمئة سنة 2001 إلى 5,7 بالمئة سنة 2024. وفي انتظار صدور الأرقام المحينة، يبدو أن التراجع مستمر، وهو ما تفيد به توقعات هياكل وزارة المالية التي تشير إلى أن متوسط التراجع السنوي المسجل يقترب من نقطة.
وهذه المؤشرات لا تخبرنا بأن الطبقة الوسطى تنحسر أو تتآكل فحسب، بل تعلمنا بأن قدرة اقتصادنا على تمويل استثماراته من خلال مواردنا المحلية تتراجع، وهذا ما يؤكده النظر إلى حسابات الادخار والاستثمار. فالصورة التي تقدمها لنا المؤشرات هنا لا توحي بأي تحسن ولا بالخروج من الأزمة، بل على العكس، تحذرنا من القادم.
فأي الأرقام اعتمدنا، تلك الصادرة عن معهد الإحصاء والتي تتوقف عند سنة 2024، أو تلك التي تقدمها وزارة المالية في نشرتها أو إصدارات المؤسسات والهياكل العمومية التابعة لها، سنقف على حقيقة أولى، وهي أن نسبة الاستثمار في تونس تتراجع بشكل مخيف خلال السنوات الفارطة، ويتوقع، وفق الإدارة العامة للخزينة، أن تكون نسبة الاستثمار لسنة 2026 في حدود 10,3 بالمئة.
هنا تكشف لنا أرقام الادخار والاستثمار أن الاقتصاد التونسي يواجه اليوم تحدي توفير شروط نموه، وأحد أهمها تراكم رأس المال. ففي السياق الذي تنشغل فيه السياسات العمومية النقدية باحتواء التضخم ودعم التوازن الخارجي، تتراجع قدرة الاقتصاد على إنتاج الموارد وعلى تمويل المستقبل. فاقتصادنا اليوم بات يقوم على الطلب الداخلي الاستهلاكي، الذي نما بأكثر من خمس نقاط دون أن ينعكس إيجابيا على النشاط الإنتاجي. أضف إلى ذلك ضعف معدل الاستثمار الذي يظل بعيدا كليا عن حاجتنا الفعلية لتحقيق نمو مستدام، وهو توجيه ما بين 25 و30 بالمئة من الناتج المحلي إلى الاستثمار سنويا، وتحقيق نسبة ادخار وطني تتجاوز نسبة الاستثمار المسجلة بأكثر من ثلاث نقاط، أي بين 28 و33 بالمئة من الناتج أيضا.
إذ إن هذين العنصرين، أو الشرطين الأساسيين، في مراكمة رأس المال والثروة، دونهما لا يمكن لنا أن نبني مستقبلا. فنحن اليوم نستهلك من أصولنا ونخاطر بأن نستمر في نمط اقتصادي يعتمد بشكل متزايد على موارد خارجية للاستثمار في ظل فجوة في تراكم رأس المال متنامية تفرض على الجميع سؤالا وهو كيف نمول المستقبل؟ كيف نمول نموا مستداما؟ وكيف نحقق الرخاء ونحن نستنزف ثروتنا ؟
كي لا تخدعنا الارقام : اقتصاد يستنزف مستقبلنا
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 08/06/2026
- 40 عدد المشاهدات
في بلاغه الصادر يوم 3 جوان الجاري، قدم