لاتفاقيات لزم مع شركات اجنبية لانتاج الطاقات المتجددة، دعوة للوقفة الاحتجاجية للتنديد باقالة وزيرة الصناعة والطاقة والمناجم، وسجال محتدم بين فريقين من التونسيين خلال الساعات الـ48 الفارطة.
انتقل النقاش من تفاصيله الفنية ومضمون العقود الى نقاش عن السيادة الوطنية ومفهومها وكيف تمارس.
جدل غفل عن ان التونسيين باتوا منذ سنوات يختلفون بشأن البديهيات، وانه طالما لم يقع الوصول الى لغة مفاهيم ومصطلحات نشترك في استدلالها، فان النقاش سيكون سجالا وجدلا لا يفيد بحثنا عن اجابة مشتركة لسؤال يبدو انه سيظل يرافقنا لسنوات قادمة، وهو كيف نحقق اكتفاءنا وامننا الطاقي دون الاضرار بسيادتنا الوطنية، والقصد هنا اي سياسات عمومية ننتهجها تحقق لنا النفع والصالح العام من جانب، ومن جانب اخر تكون نابعة عن تصور تونسي يبحث عن تلبية حاجات تونسية.
سؤال يبدو انه تم القفز عن الاجابة عنه من قبل طيف واسع من التونسيين الذين انخرطوا في سجال عن السيادة وحدودها مع انطلاق مناقشة البرلمان لخمس اتفاقيات "لزمة" مع شركات اجنبية تتولى انتاج الطاقات المتجددة في تونس وتبيع ما تنتجه من الكهرباء الى الشركة التونسية للكهرباء والغاز. سجال انخرطت فيه مؤسسات الدولة نفسها، فبتنا امام مفاهيم متداخلة ونقاش تغافل عن العنصر الفني المضمن في العقود واللزمات لينتقل مباشرة الى صراع قيمي سياسي بشأن كيفية ادارة الدولة لمواردها الاستراتيجية، فبتنا امام خطاب يلقي بالتهم والمسؤولية على الاخر غير المحدد، والذي يتهم بانه يفرط في الامن الطاقي وفي السيادة.
والحال اننا هنا، وان كنا امام اتفاقيات لا يمكن فصل السياسي فيها عن الاقتصادي، الا ان الشروط الموضوعية لمناقشتها تستوجب اولا ان نبتعد عن مخزون الشعارات وعن الاصطفافات والانطباعات، وان نباشر منذ البداية، وحتى قبل الخوض في مضمون الاتفاقيات، في نقاش اي السياسات العمومية الفضلى التي تقود الى تحويل ازمة العجز الطاقي في البلاد، الذي تجاوز حجمه سنة 2025 وفق التقديرات 11 مليار دينار، الى فرص استثمارية، وهل نحتاج هنا الى شراكات خارجية ام اننا قادرون بمفردنا على تنزيل هذه السياسات.
والحد الادنى من النزاهة هنا سيقودنا الى الاقرار بان قدرتنا المالية والتكنولوجية لا تسمح لنا في السياق الراهن بادارة هذا النوع من المشاريع المعقدة، التي تحتاج الى استثمارات اولية تقدر اليوم بحوالي 1،6 مليار دينار، قد لا تستطيع المالية العمومية ان تتحمل عبئها في ظل ازمتها الهيكلية ومخاطر اختلال توازنها، في ظل عدم استقرار المشهد في الشرق الاوسط، بالاضافة الى ان النسيج الاقتصادي التونسي لا يضم عددا كبيرا من الشركات التي قد تكون قادرة على توفير المتطلبات التكنولوجية والمعرفية لتنفيذ هذه المشاريع، التي ينتظر ان توفر حوالي 600 ميغاواط الى شبكة الكهرباء وتساهم في مجهود الدولة للوصول الى ان يكون نصيب الطاقات المتجددة من انتاج الكهرباء يقارب 35% بحلول عام 2030، وهو ما قد يقلص من حجم العجز الطاقي ونسبته باكثر من 20 بالمئة.
هنا نحن امام صورة اولية واضحة، وهي اننا ازاء مشاريع تخدم الصالح العام، وهي مشاريع ذات اولوية لا يمكن ان تؤجل لحين الانتهاء من خلافاتنا او الى حين ان تتوفر الشروط الموضوعية لتونسة تنفيذها. ولكن هذا لا يعني ان نغفل عن النقاط التي يشير اليها المعترضون على ان تمنح هذه المشاريع الى شركات اجنبية، واهمها اجال الاستغلال التي تتراوح بين 20 و30 سنة، بالاضافة الى الاعفاءات الضريبية والجمركية للشركات المستثمرة لمدة خمس سنوات، بالاضافة الى بعض الشروط التعاقدية، مثل ربط الاسعار بالعملة الصعبة، والتي من شانها ان تتسبب في اختلالات طويلة المدى تمس من التوازنات المالية للدولة.
ما يشير اليه المعترضون اليوم هو ان اجال الاستغلال لا تخدم تونس ولا مصالحها، فالعمر الافتراضي للبنية التحتية التي سيقع تركيزها لتشغيل هذه المنشآت الطاقية مساو لمدة الاستغلال، وبالتالي قد لا تنتفع بها البلاد التونسية لاحقا وتكون مجبرة على ابرام اتفاقيات جديدة بذات الشروط، وانها بالتالي ستفقد سيادتها التي تتجسد هنا في ان خياراتها الاستراتيجية تكون نابعة من تصور تونسي بحت، وهذا القول يناقش، ففيه جزء راجح ان تعلق الامر بضرورة ان تحمي البلاد مصالحها ومستقبلها.
والحسم فيه يستوجب ان تنتهج سياسة الشفافية بما يسمح بمساءلة السلطة ومحاسبتها ان لم تحسن التفاوض، لنحسن تقييم المضار والمنافع ونقف عند حدود المخاطر الفعلية لهذه اللزمات التي يتداخل فيها الاقتصاد بالسياسة، وتضع الدولة امام اختبار ممارسة سيادتها باختيار الافضل لتامين طاقتها باقل كلفة، مستخدمة الاطار القانوني لحماية مصالحها مع شركائها الاجانب، وضمان شفافية التعاقد وحسن الحوكمة للحيلولة دون التفريط في موارد البلاد.
الاشكال الحقيقي الذي نواجهه في هذا الملف هو التعميم المخل، والذي اختزل النقاش في ثنائية سيادة/تبعية، دون تفكيك دقيق لطبيعة العقود ومحتواها للوقوف على مواطن الضعف. فالخلل ليس في مبدأ الشراكة، بل في كيف تفاوضنا، هل كان ذلك وفق توازن دقيق لحاجتنا وقدرتنا دون التخلي عن مصالحنا ومستقبلنا.
أزمة الطاقة والخطاب السيادي: أي خيارات أمامنا ؟
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 29/04/2026
- 33 عدد المشاهدات
تتالت الأحداث المرتبطة بمناقشة البرلمان