تعليق نشاط الرابطة التونسية لحقوق الإنسان: السلطة واستراتيجية التدرّج في المواجهة

يكشف قرار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع

عن حقوق الإنسان لمدة شهر أننا إزاء مشهد تتجاوز دلالته اللحظة المباشرة، مشهد يكشف عن طبيعة العلاقة بين السلطة والمكونات الحقوقية في تونس، وعن منطق الدولة في إدارة الفضاءات العمومية ، واتباعها خيار تجزئة المواجهة ومعالجة ملف كل منظمة أو جمعية على حدة، ضمن مقاربة تهدف إلى الحدّ من تشكّل رد فعل جماعي موحد قد يعيق مسارها في إعادة تشكيل المشهد السياسي برمته.

فخيار السلطة تعليق نشاط الرابطة لمدة شهر في هذا التوقيت، الذي تم الإعلان عنه نهاية الأسبوع الفارط، لا يمكن قراءته دون استحضار أمرين، الأول هو سلسلة من قرارات تعليق نشاط جمعيات ومنظمات خلال الربع الأخير من سنة 2025، والثاني هو الثقل التاريخي للرابطة بوصفها إحدى أبرز المنظمات التي ساهمت في تشكيل الوعي الحقوقي في تونس منذ تأسيسها قبل خمسة عقود، وما راكمته من أدوار سياسية ورمزية جعلت مكانتها تتجاوز وظيفتها التنظيمية لتتموضع ضمن الفاعلين المنتجين لما يمكن تسميته بـ»الشرعية الحقوقية» داخل الفضاء العمومي.

وهو ما يجعل قرار تعليق نشاط الرابطة، حين يوضع في سياقه، يتجاوز كونه حدثا عادي ضمن سلسلة الإجراءات التي طالت عددا من هياكل المجتمع المدني ومنظماته ذات الطابع الحقوقي، من بينها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، وجمعية صحفيي نواة، وجمعية خط وغيرها من المنظمات، التي التحقت بها الرابطة اليوم، ليكشف اننا امام تتابع لمحاولات ضبط المجال والمجتمع المدني وأننا أمام خيار سياسي تراكمي، أبرز ملامحه هو اعتماد السلطة على التفكيك المرحلي لبسط نفوذها على المجال بدل المواجهة الشاملة المباشرة.

إذ إن توقيت اتخاذ قرار تعليق نشاط الرابطة، التي كانت من بين المنظمات التي تم تداول اسمها نهاية السنة الفارطة ضمن قائمة مكونات المجتمع المدني التي شرعت السلطة في إجراءات تمهيدية لتعليق نشاطها، يكشف أن وزن الرابطة وثقلها قد يكونان من الأسباب الرئيسية لتأجيل اتخاذ هذا القرار، بما يعكس أن استهداف الأجسام ذات الرمزية العالية يتم وفق حسابات تاخذ بعين الاعتبار كلفة المواجهة المباشر، وهوامش تحرك السلطة لاعادة ضبط المجال السياسي والتحكم في منسوب التوتر السياسي والاجتماعي في الشارع .

وهو ما يعنى ان السلطة قد تكون فضلت الاشتغال بمنطق الاستهداف المتدرج لمكونات الفضاء السياسي والمدني، والتعامل مع كل فاعل على حدة، في مسارات منفصلة، لتجنب اي ارتدادات عنيفة ضدها عبر منع اية إمكانية تشكّل جبهة موحدة قادرة على تحويل الرفض أو الاعتراض إلى قوة ضغط منظمة يمكنها أن تربك حساباتها أو تدفعها إلى مراجعة نهجها، ومتا قد يترتب عن هذا من تبعات سياسية ومن زخم مدني قد يكون خطوة في اتجاه ترسيخ توازن جديد في المشهد.

لذا قد يكون تفكيك المواجهة هو أسلوب الأنسب للسطلة اليوم في إدارة المجال العام، فهو يمنحها هوامش لتوزيع التوتر وضبط منسوبه، بما يمنع تراكمه وخروجه عن السيطرة. اذ ان هذا النهج يتيح لها ان تتعامل مع ردود فعل مجزئة عبر دفع كل منظمة إلى التحرك ضمن حدودها الخاصة، بما يحول دون التقاء الفاعلين في فضاء احتجاجي واحد، مع الرهان على تباين السياقات والمواقف وما قد ينتجه ذلك من تباعد في درجات التعبئة.

هذا «التكتيك» في تجزئة المواجهات لا يقتصر على الجمعيات والمنظمات الحقوقية فقط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل أوسع لفضاء التعبير العام، حيث تتقاطع الإجراءات لتنتج بيئة متحركة يُعاد فيها ضبط هوامش الفعل السياسي والمدني تدريجيًا، ضمن إيقاع متدرج من التضييق وإعادة التكييف، وهو ما يشمل أيضًا الصحفيين والإعلاميين بوصفهم جزءا من هذا المجال الاحتجاجي.

وهو ما يبين أننا لسنا أمام مجموعة قرارات متفرقة، بل أمام نمط في إدارة التوازن بين السلطة والمجتمع، يقوم على التفكيك المرحلي، وضبط الإيقاع، وإعادة توزيع هوامش الفعل. أي أمام محاولة لإعادة هندسة المجال العمومي وفق منطق تدريجي يراكم أثره عبر الزمن، بما يجيب، ضمنيا، عن سؤال ظل مطروحا حول طبيعة إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

والأرجح اليوم أن المسار يتجه نحو ضبط أكثر إحكاما للفضاء العمومي، عبر مقاربة تدريجية يؤطرها منطق التفكيك المرحلي، بما يعيد تعريف حدود الفعل السياسي والمدني في سياق إعادة هندسة هادئة للمشهد

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115