من حرب غزة إلى إيران: اللحظة الانتقالية الكبرى للنظام الدولي

في زيارته إلى الصين الأسبوع الفارط، والتي

استمرت ليومين، صدح صوت رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ليعلن أن هناك فيلاً في الغرفة، كاسرا بذلك جدار التجاهل لحقيقة أن المشهد الدولي تغير عما كان عليه قبل سنتين. فرئيس وزراء الدولة الاوروبية لم يكتف بكشف أن دور الحليف الاستراتيجي، وهو الولايات المتحدة الأمريكية، قد تغير في النظام العالمي، بل دعا الصين إلى لعب دور أكبر في إدارة الشأن الدولي والتوازنات.

كلمات لم تكن مجرد انزلاق لغوي في سياق دبلوماسي يحتمل المجاملات، بل كانت بمثابة اعتراف متأخر بحقيقة جرى تجاهلها، وهي أن العالم لم يعد كما كان، وأن النظام الذي حكمه لعقود فقد صلابته، بعد تتالي الأزمات الكبرى من الحرب الروسية الأوكرانية إلى حرب الإبادة في غزة، مروراً بالسياسات الأمريكية الجديدة مع الرئيس ترامب، الذي باتت تصريحاته وطموحاته أشبه بفأس يهوي على النظام الدولي ويعيد تشكيله بالقوة.

فالرئيس الأمريكي ظن أنه يخدم مشروعه في جعل أميركا عظيمة مرة أخرى، لكنه اكتشف أن أدواته نفسها ترتد عليه، خاصة في المغامرات العسكرية وما رافقها من توترات مع إيران، التي بدأت في فيفري الماضي بتحريض من حليفتها إسرائيل، ما أدخل واشنطن في مسار استنزاف معقد، تحاول الخروج منه عبر المفاوضات القائمة على التهديد والترغيب أو عبر عمليات عسكرية واسعة ذات كلفة عالية.

هذه الحرب، سواء استمرت أو توقفت أو أعيدت صياغتها عبر تسويات، كشفت عن أعمق تداعياتها على المشهد الدولي برمته، إذ أظهرت أن النظام الذي تشكل لعقود حول مركزية الولايات المتحدة لم يعد يحتفظ بالتماسك ذاته، وأن الفاعل الأمريكي لم يعد ينظر إليه كضامن للاستقرار، بل كعامل ينتج الهشاشة وعدم اليقين. والتحول لم تصنعه حرب إيران وحدها، بل سرّعته. فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وخطابه التصعيدي تجاه الحلفاء، ومطالبه وتهديداته، أدرك العالم أن الولايات المتحدة باتت قوة غير قابلة للتنبؤ، وأن سياساتها باتت تشكل خطرا على توازنات النظام الدولي. وهكذا أصبح مركز الثقل الدولي غير مستقر، ولم يعد الاعتماد على المظلة الأمريكية خيارا منخفض الكلفة أو مضمون النتائج.

ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن اهتزاز صورة الولايات المتحدة كقوة منتجة للاستقرار في المخيال الغربي، خاصة بعد حرب الابادة الجماعية في غزة وما سبقها ولحقها من وقائع كشفت تآكل الشرعية الرمزية للنموذج الأمريكي، ودفعت نحو إعادة التفكير في فكرة القطب الواحد، لصالح تصور أكثر تعددية وأقل مركزية.

هذا الإدراك تبلور لدى الأوروبيين قبل حرب إيران، كما بدأ يتسرب إلى الدول العربية بعد الحرب، غير أن الطرفين استمرا في إنكار ما يترتب عليه، أي أن هذا التحول لا يقتصر على تراجع الدور الأمريكي، بل يفتح الباب أمام إعادة تعريف موقع الصين في النظام الدولي، بوصفها قوة قادرة على إنتاج التوازن. لذا فان ما قاله سانشيز يعكس تحوّلا في تمثلات القوة داخل المخيال الأوروبي، حيث لم تعد الصين مجرد منافس اقتصادي أو تهديد تكنولوجي، بل باتت ضامن الاستقرار العالمي، وهو تصور كان من الصعب تخيله قبل سنوات قليلة داخل دوائر القرار الأوروبية.

هذا التحول يعكس أيضا تعدد أنماط التموضع الاستراتيجي في ظل إعادة تشكل مراكز الثقل الدولي، حيث تقدم الصين نفسها كقوة توازن، تبني شرعيتها على المصالح المشتركة، وتعتمد أدوات النفوذ الاقتصادي والمالي، مع تطوير متدرج لقدراتها العسكرية، ما يجعلها خيارا مطروحاً أمام بعض الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، سواء في أوروبا أو الخليج، ضمن منطق توزيع المخاطر. وان كانت الدول الخليجية، ما تزال في مرحلة انتظار مآلات الحرب قبل بلورة خياراتها النهائية، في حين تبدو أوروبا أكثر تقدما نسبيا، لكنها منقسمة داخليا بين خيارين، إما تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، أو الانفتاح المتزايد على الصين كشريك موازن للولايات المتحدة. وفي كلا المسارين، يتضح أن أوروبا تدخل مرحلة إعادة تموضع عميقة في النظام الدولي، لا تعني قطيعة مع الولايات المتحدة بقدر ما تعني إعادة ترتيب الأولويات وتخفيف الارتباط الأحادي بمركز القرار الأمريكي.

الهم هنا سواء تعلق الأمر بالعالم العربي أو الأوروبي، هو ان المشهد الحالي يكشف عن لحظة انتقالية غير مكتملة، عالم يتحدث بلغة التعددية ويقر ضمنياً بتراجع مركزية الولايات المتحدة، لكنه لم ينتج بعد توازناً مستقرا. فالصين تستدعى اليوم للعب دور أكبر في إدارة نظام لم تساهم في صياغة قواعده، في حين تتخبط الولايات المتحدة في محاولة الحفاظ على موقع الزعامة داخل نظام لم تعد تتحكم في مفاصله بالكامل. و هذا التخبط تعمّق مع حرب إيران، التي إن لم تغيّر موازين القوى جذريا، فإنها غيّرت طريقة إدراكها.

في هذا السياق، تقدم الصين نفسها كقوة تسعى إلى توسيع شبكات الشراكة بدل فرض الهيمنة، وإلى إدارة المصالح بدل إعادة إنتاج السيطرة وهو ما يمنحها موقع في هندسة التوازنات الدولية، دون أن يعني ذلك أنها باتت بديلا جاهزا أو مكتمل الادوار

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115