الرؤية والدقة في ترتيب الاولويات، صدر بلاغ رئاسة الحكومة بشأن اجتماع "لجنة المشاريع الكبرى" المنعقد يوم السبت الفارط، والذي نظر في اربعة مشاريع ثلاثة منهم تتعلق بصيانة مؤسسات تعليم عال سوقت في البلاغ على انها مشاريع كبرى سيكون لها انعكاس على التنمية في البلاد.
تسويق يدفع الى سؤال ان كان معنى بلاغ اللجنة يتجاوز الاخبار بمتابعة مشاريع عمومية، وان كنا امام اعادة صياغة معنى "المشروع الكبير" ودلالته في الخطاب الرسمي التونسي، ام اننا امام نموذج يكشف تصورا يحكم العمل الحكومي يختلط بين المستويات وتتداخل فيه المفاهيم.
اذ ان بلاغ رئاسة الحكومة الذي يمكن ان يقتصر في تسويقه السياسي على الاشارة الى انه، وفي سياق اداري طبيعي وعادي، تمت متابعة نسق تنفيذ جملة من المشاريع في قطاعات مختلفة، من بينها تهيئة مؤسسات جامعية، وصيانة بنى تحتية تعليمية، ومشروع حماية هضبة سيدي بوسعيد من الانزلاقات الارضية. لكن محاولة اضفاء طابع استثنائي لعمل اداري طبيعي كشفت عن انزلاق مزدوج. الاول انزلاق في ترتيب الاولويات، والثاني في تعريف "المشروع الكبير".
في ابجديات الاقتصاد يقع تعريف او وصف مشروع ما بانه من "المشاريع الكبرى" اذا استجاب لثلاثة شروط موضوعية. فهذا الصنف من المشاريع، في العادة، يتسم بحجم استثمار مرتفع، وبقدرته الواضحة على احداث اثر اقتصادي مباشر او غير مباشر، والاهم بمساهمته في التحول الهيكلي لقطاع ما او جهة. اي ان المشاريع التي يمكن ان توصف بانها مشاريع كبرى او ضخمة هي المشاريع التي تغير في المشهد الاقتصادي وتؤثر على نسيجه وحركته، من قبيل الموانئ وخاصة في المياه العميقة، شبكات النقل من طرق سيارة او شبكات حديدية، المشاريع الطاقية الضخمة التي تغير من بنى الانتاج والاستهلاك، المناطق الصناعية الكبرى المخصصة، او الاستثمارات الاستراتيجية الضخمة التي تعيد تشكيل النسيج الاقتصادي.
بهذا التعريف الاكاديمي والكلاسيكي سيكون من الصعب، دون تعسف في تمطيط المفهوم، اعتبار تهيئة مدرج جامعي او اعادة تاهيل مؤسسة تعليمية ضمن هذا الصنف. على الرغم من ان هذه مشاريع ضرورية، بل وملحة، لكنها تظل في جوهرها مشاريع قطاعية تندرج ضمن السير الطبيعي لعمل الوزارات المعنية، وهي مشاريع تدار عادة عبر البرامج المدرجة ضمن الميزانية القطاعية. لذلك فان الانتقال بها لتكون على جدول اعمال "لجنة المشاريع الكبرى" لن يغير من طبيعتها ولن يضفي عليها صفة استراتيجية، بقدر ما يكشف عن تضخيم في التصنيف والتوصيف.
والامر ذاته ينطبق على مشروع حماية هضبة سيدي بوسعيد، فحتى وان استثنينا هذا المشروع من التعريف الكلاسيكي ونظرنا اليه على انه من المشاريع ذات البعد السيادي او الوقائي، نظرا الى المخاطر الجيولوجية والقيمة الرمزية والسياحية للمنطقة التي تقدمت تونس بطلب ادراجها في قائمة التراث العالمي بعد ان ضمنت سنة 2022 في قائمة الايسيسكو، فان هذا الاستثناء لا يحجب حقيقة ان البعد الرمزي او الاستعجالي لا يكفي ليصنف كـ"مشروع كبير".
خاصة واننا امام مفارقة في البلاغ لا تقف عند حدود التصنيف، بل تمتد الى الخطاب. فالبلاغ يربط هذه المشاريع باهداف كبرى من قبيل دفع النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية الشاملة وتعزيز العدالة الاجتماعية. وهنا يتجلى الانزلاق المفاهيمي باوضح اشكاله، فحين نسند الى مشاريع ذات طبيعة صيانة او تهيئة اثرا اقتصاديا يفوق انعكاسها الفعلي بكثير، نكون امام اعادة تشكيل للمعنى والخطاب السياسي لا الاقتصادي فقط.
فتهيئة كلية او صيانتها، مهما بلغت اهميتها، لن يؤدي باي شكل الى نمو اقتصادي في المدى القصير او المتوسط ولا حتى البعيد، ولن يدفع بمحركات الاستثمار ولن يولد حركية اقتصادية واسعة ومستدامة. فالاثر هنا سابق بطبعه. الكلية موجودة واثرها الاقتصادي، رغم كونه ايجابيا، هو اثر تراكمي تدريجي. فنحن لسنا امام اول دفعة خريجي كلية جديدة باختصاصات جديدة يمكنها ان تراكم تاثيرا في السوق وفي الانتاج، ولا نحن امام انشاء مركب جامعي في موقع جديد يمكنه بعد سنوات ان تنشأ حوله احياء ومؤسسات ونشاط اقتصادي خدماتي بالاساس، بل نحن امام كلية موجودة تحتاج الى صيانة وتهيئة.
مما يجعلنا امام واقع تتباعد فيه طبيعة المشروع والحمل الخطابي المثقل عليه. وهذا التباعد ليس نتاج تفاصيل لغوية فقط، بل هو نتيجة اختلال في ادراك الاولويات التي تواجهها البلاد في سياقها المالي الضاغط، اذ تعيش تونس على وقع تآكل هوامش الانفاق العمومي وتفاقم التحديات الاجتماعية والاقتصادية، ما يفترض ان يوجه الجهد والعمل الحكومي المركزي نحو مشاريع قادرة على احداث اثر سريع او متوسط المدى، كالبنية التحتية او المشاريع الطاقية او الاستثمارات العمومية الانتاجية التي يمكنها ان تخلق مواطن شغل مباشرة وغير مباشرة.
لكن هذا غاب، وحلت عوضا عنه مشاريع صيانة وتعهد في صدارة جدول اعمال "لجنة المشاريع الكبرى"، وهو ما يجعلنا امام فرضيتين، اما ان الحكومة غير قادرة على وضع خطط استراتيجية بالمعنى الدقيق نتيجة قيود التمويل او غياب الرؤية والتصور او تعقيدات الحوكمة، او اننا امام تحول تدريجي لطبيعة عمل اللجنة ودورها من اداة قيادة استراتيجية الى الية متابعة ادارية موسعة ترحل اليها ملفات كان يفترض ان تعالج في مستويات ادنى.
ولا يكمن الاشكال هنا في ما اذا كانت هذه المشاريع مهمة. فكل مشروع ينتهي بتحسين البنية التحتية التعليمية او حماية المناطق المهددة هو مشروع مهم وضروري. لكن الاشكال يكمن في الخلط بين المستويات والمفاهيم، فحين يقدم مشروع عادي باعتباره كبيرا او ضخما ويحمل من الرهانات الكثير، نصبح امام مشهدية وخطاب سياسي دون اثر، ونكون امام تلاعب لفظي بالمصطلحات والمفاهيم يكشف عن غياب الرؤية.
نعود الى الفرضيتين اللتين لا يخلو الامر فيهما من دلالة سياسية، اذ ان نقل مشاريع ذات طابع تقني او قطاعي من وزارة الاشراف او الادارة المعنية الى رئاسة الحكومة قد يعكس ميلا متزايدا لا نحو مركزة القرار فحسب، بل نحو ابراز المجهودات الحكومية وعملها، وهو ما يكشف تخبطا وخلطا
لجنة المشاريع الكبرى الحكومية: اختلال الاولويات يعيد تعريف الصيانة كمشروع كبير
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 21/04/2026
- 54 عدد المشاهدات
في سياق وطني ودولي يستوجب من البلاد وضوح