وإيقاعها، فهي تقوم على حركاتها الخفيفة وخطواتها المترددة بين التقدّم والانسحاب للحفاظ على مسافة محسوبة فيما بين الراقصين، تسمح رقصات تلتقي في قدرتها على التأليف بين الحذر والانسياب، ويبدو أننا اليوم نرى رقصة جديدة إن جاز التعبير مسرحها طاولة المفاوضات بين إيران وأمريكا. هذه المفاوضات التي تستعير إيران لإدارتها حركات من رقصاتها الفلكلورية، كحركة الأقدام التي تختبر الأرض من تحتها، لتكشف عن أنها تبحث عن التوازن بين الرغبة في الوصول إلى اتفاق والخشية من أن يكون ثمن ذلك خسائر استراتيجية.
ففي الساعات القليلة الماضية، كشفت كل من إيران وأمريكا عن أنهما دخلتا في مرحلة جديدة من جسّ النبض، تمهيدًا لاستئناف المفاوضات الثنائية بينهما بواسطة باكستانية، التي يبدو أن الطرفين لا يرغبان في استئنافها قبل ضبط إطار عام لا يُطرح فيه اتفاق بصيغة نهائية بقدر ما يرسم حدودًا أولية ويختبر نوايا كل طرف، بإعلان سقف التنازلات الممكنة وتثبيت الخطوط الحمراء، في توازن بين الرغبة في استئناف مسار التفاوض والخشية من إضعاف موقع كل طرف في الجولة الجديدة.
فما يميز الأعمال التمهيدية لعقد الجولة الثانية من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، ليس كونها تقدم مؤشرات انفراج بقدر ما تكشف محاولة كل طرف إعادة تعريف شروط التفاوض بعد فشل الجولة الأولى لتمسك كل طرف منهما بمطالبه وشروطه، التي يبدو اليوم أنها تراجع وفق ما تبينه التصريحات الصادرة عن مسؤولين من الطرفين، وهي تصريحات تكشف في جوهرها عن حدود التنازل الممكن.
إذ إن الإدارة الأمريكية التي تعلن على لسان رئيسها دونالد ترامب بأن "الحرب مع إيران قد شارفت على الانتهاء" وفق تصريح له في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، والتي أشار فيها أيضًا إلى إمكانية استئناف المفاوضات خلال اليومين القادمين، تسعى اليوم إلى رسم الإطار العام للاتفاق الذي باتت تسوّق أن النقطة الشائكة فيه تتعلق بالملف النووي الإيراني، وهذا ما سعى ترامب لإبرازه بالتأكيد على أنه "إن لم توافق إيران على التخلي عن الطموح النووي فلن نبرم أي اتفاق معها" وفق قوله.
هذه النقطة هي ما قد تعيق الوصول إلى صفقة كبرى تنهي الصراع بشكل كامل، وفق تلميحات عدد من مسؤولي الإدارة الأمريكية ومن بينهم نائب الرئيس، الذين كشفوا عن أن "جوهر المفاوضات برمتها يتمحور حول نقطة واحدة وهي حظر الأسلحة النووية على إيران"، وأن حدود التنازل في هذه النقطة هو تقييد البرنامج النووي الإيراني لعقدين من الزمن وفق ما نشر من تسريبات في وسائل إعلام أمريكية.
هنا يتضح أن التحركات الأمريكية تبحث عن رسم سقف للمفاوضات وأي اتفاق لاحق مع إيران، وهو برنامجها النووي، الذي تضعه ضمن رزمة من الشروط الأمنية تشمل أيضًا برنامجها الباليستي ومجال الاستهداف المسموح به، وهنا تعلن أمريكا عن إطارها العام للمفاوضات وعن هامش التحرك فيه، جنبًا إلى جنب مع إعلانها عن جهود واسطتها لإيقاف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، إذ كشف الإعلام الأمريكي والعبري أن إدارة ترامب طالبت من حكومة الاحتلال وقفًا لإطلاق النار في لبنان، والأخيرة إلى حدود كتابة المقال أعلنت أن ردها على الطلب الأمريكي سيكون إثر اجتماع لقادتها ليلة أمس.
مقابل هذه الخطوات الأمريكية وضعت طهران سقفها الخاص، بالكشف عن الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، وهو برنامجها النووي الذي تقدمه كرمز للسيادة، ولكنها في الوقت نفسه تعلن أنها تقبل بمناقشة حجم ونوعية التخصيب، وأن موقفها من الذهاب إلى الجولة الثانية من التفاوض سيكون مقترنًا بما يتحقق من تقدم لوقف إطلاق النار في لبنان. وهنا تعلن عن انفتاحها على جولة ثانية من التفاوض لكنها ترسم حدود التنازل، كما تسعى إلى إدارة التفاوض والمناورة لتخفيف الضغط عنها وضمان مكاسبها الاستراتيجية بإعلانها أنها ترفض أن تتفاوض بشروط خصمها.
من خلال هذين السقفين، يتشكل الإطار الفعلي للجولة الثانية من المفاوضات الأمريكية الإيرانية، والتي تنطلق بكشف كل طرف عن الحد الأدنى الذي لن يتراجع عنه، وليس بالبحث عن نقطة التقاء، والأمر هنا لا يقتصر على ما يعلن بشكل صريح بل ما لا يقال بشأن الجبهات الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان الذي ينقسم اليوم على نفسه بين المقاومة والحكومة. انقسام يتجسد في الموقف من التفاوض المباشر مع إسرائيليين من يراه ضرورة لاحتواء التصعيد وتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ومن يعتبره تنازلا يمسّ جوهر الموقف اللبناني ويقود البلاد الى التطبيع .
انقسام لا يبدو أنه خارج طاولة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية ، بل هو امتداد له. اذ ان الجبهات الإقليمية من أدوات الضغط المتبادلة، تستخدم لرفع سقف الشروط أو لانتزاع تنازلات جزئية. مما يؤكد طبيعة هذه "الرقصة" السياسية، التي لا تقوم على الحسم بقدر ما تقوم على الإيقاع وعلى الخطوة المحسوبة والتراجع المدروس، حيث يسعى كل طرف إلى اختبار صلابة الأرضية دون أن يفقد توازنه. فجس النبض هنا لا يتعلق باقرار الاتفاق النهائي من عدمه بل هو محاولة لإعادة تعريف شروط التفاوض وسقف التنازل بأقل كلفة وأكثر قابلية للاستمرار.
مما يجعل المشهد الراهن قائم على ثنائية حذر والانسياب، بين التقدم والتراجع، من اجل تأجيل استئناف الحرب والانفجار وإعادة ترتيب المشهد من اجل الوصول الى اتفاق يسوق على انه انتصارا لكليهما.
تمهيدا لجولة ثانية من التفاوض الامريكي الايراني : جس النبض لاختبار النوايا وحدود التنازل
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 16/04/2026
- 31 عدد المشاهدات
تلتقي جلّ الرقصات التقليدية الإيرانية في نمطها