تـونس ومنطق الطائفة القـاتل

أضحينا في تونس نصبح ونمسي كل يوم

أو يكاد، على أخبار الايقافات والمحاكمات والسجون لناشطات ونشطاء في مختلف مجالات الفضاء العمومي، وإن غابت - مؤقتا - هذه الأخبار فنستعيض بها المحاكمات الفايسبوكية والسحل الالكتروني وتصيّد الجمل والأقوال «المثبة» للخيانة والعمالة والارتزاق...

وإن غاب هذا كله في يوم ما فنجد «ضالتنا» في العنف اللفظي العنصري والجندري لا على قارعة الطريق كما تعودنا بل في صلب مؤسسات الدولة - البرلمان تحديدا - دون ادانة أو تنبيه بل يجد التبرير والتخفيف والتنسيب كما لا تحرك للنيابة العمومية فالعنصرية والعنف ضدّ النساء والتندر بالاغتصاب جرائم يعاقب عليها القانون التونسي - نظريا - والبرلمان - نظريا أيضا - هو سلطة التشريع أو وظيفة كما يحلو لكم...

أما «الحوار» الافتراضي الذي يدور بيننا ونحن نسعى لفهم هذا العالم العنيف الخطر الذي أصبحت فيه الهيمنة الفجّة الاجرامية الابادية مسألة «عادية» فترانا نخون بعضنا البعض وكأننا امتداد لساحة الحرب الظالمة الصهيو أمريكية ولتفرعاتها وارتداداتها... والصنف الأغرب من مواطنينا هنا هو أولئك الذين يرون في بعض إسلاميي الخارج رمزا للبطولة والفداء والثورة على الطغيان ويرون في كل إسلاميي الداخل صور العمالة والخيانة والتواطئ مع الأجنبي وأن مكانهم الطبيعي ليس السجن فحسب بل المقابر!

نحن ولا شك أمام مظاهر متعددة ومتنوعة من هذا المشهد العام البائس ولكن ثمة خيوطا رفيعة تجمع بين كل هذه النتوءات أهمها تحوّل جزء غير قليل من المنخرطين سياسيا وفكريا إلى طوائف تحكمها ثنائيات الحق / الباطل والسلم / الحرب.. طوائف تتعادى ولا ترى من جامع يجمع بينها فلا وطن لديها ولا مواطنة ولا حتى خصوم بل أعداء ينبغي ازاحتهم من الوجود الرمزي دائما والمادي متى أمكن ذلك...

والجديد لدينا أن جزءا من عقل الدولة (الممثلة، نظريا، للصالح العام) أصبح محكوما بعقل الطائفة لا يرى في الآخر المغاير سوى عدوا خائنا ينبغي التخلص منه..

أخطر ما في مجتمع الطائفة هو نزع الانسانية عن الآخر المختلف فهو لم يعد فردا ذي وعي مخصوص بل رقما في الطائفة العدوة وإن برز فهو رقم خطر ينبغي تصفيته معنويا أما لو خرج الفرد عن «سلطة الطائفة فيصبح مارقا مرتدا خائنا وهو لم يفعل ذلك إلا لكونه مرتزقا باع ذمته للعدو...

مجتمع الطائفة هو مجتمع كرة القدم المتعصب الذي يغيب فيه الانصاف والتنسيب وتخلو منه فكرة الفريق الجامع (الفريق الوطني مثلا) وإن حضرت - في مقابلة رسمية مثلا - فهو لا ينظر إلا من خلال فريقه المخصوص ويصب جام غضبه على لاعبي الفرق الأخرى فهم دوما المتسببون في الهزائم و«أبطاله» هم فقط من يجلبون الانتصارات والألقاب...

مجتمع الطائفة المعاصر يختلف جوهريا عن المجتمع الطائفي التقليدي فمنسوب العنف لديه مرتفع للغاية وهو لا يقبل مطلقا بمبدإ التعايش المتباعد الذي كان سائدا في المجتمعات الطائفية التقليدية (وكل المجتمعات التقليدية هي مجتمعات طائفية بنسب متفاوتة)... مجتمع الطائفة المعاصر لا يقبل البتة بالحدّ الأدنى من التعايش وهذا ما لاحظناه بجلاء في تونس منذ الثورة إلى الآن والأمر يزداد تعقيدا وخطورة عندما تنحاز الدولة إلى «طائفة» ما وخاصة عندما يتحوّل جزء منها إلى «طائفة» قائمة الذات تريد أن تحلّّ محلّ الجميع وأن تقصي تبعا لذلك كل تنوع وتعدد داخل المجتمع...

التسلطية لا تكمن فقط في نزوع سلطة ما إلى الهيمنة المطلقة ولكنها أيضا ثقافة سارية بين النخب وداخل المجتمع تضيق ضرعا بكل من يخرج عن السرب... هي ثقافة تمقت حقوق الانسان فقط لأن الانسان عندها يفقد كامل انسانيته عندما يخرج عن ثقافة القطيع

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115