على لبنان، الذي تتعرض مدنه لقصف عنيف لليوم الثاني على التوالي، أسفرت عن ارتقاء عشرات الشهداء، في ظل تضارب تأويل بنود اتفاق الهدنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهل إنّ لبنان مشمول بوقف إطلاق النار والهدنة أم هو ملف منفصل عن الاتفاق الذي رعته باكستان.
وفي انتظار حسم التأويل، يستمر المشهد الدموي القادم من بيروت وغيرها من المدن، الذي يؤكد أن ما تشهده المنطقة اليوم هو صراع يتجاوز تحديد الجبهات المشمولة بالهدنة، إذ نحن أمام صراع فرض الهيمنة والسيادة الإقليمية، بين إيران والاحتلال الذي يسعى اليوم، عبر آلته العسكرية وجرائم الحرب التي ترتكبها، إلى فرض واقع ميداني وإقليمي يرسخ الهيمنة والنفوذ الإسرائيلي، ويحول دون أن تحقق إيران أي مكسب استراتيجي من فرض وحدة الساحات كأمر واقع اليوم في الشرق الأوسط.
وهذا مردّ حدة التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان، ساعات بعد إعلان باكستان عن نجاح وساطتها بين أمريكا وإيران لوقف إطلاق النار والعمليات العسكرية لمدة أسبوعين، يخصصان للمفاوضات المباشرة بين الطرفين بهدف الوصول إلى اتفاق إنهاء الحرب. الرسائل هنا واضحة تمامًا، وضوح الهدف الاستراتيجي منه. إذ إن الاحتلال، وعبر غاراته الجوية العنيفة على لبنان، سعى إلى تثبيت تجزئة الاتفاق، لفرض أن تتم معالجته بمعزل عن المفاوضات المنتظرة بين الوفدين الأمريكي والإيراني، وهدف هذه التجزئة ليس القضاء على حزب الله أو إضعاف قدراته عسكريا، فهذا الهدف يقر قادة الاحتلال باستحالته. ما يبحث عنه الاحتلال بفصل ملف لبنان هو أن تكون المفاوضات ثنائية، أي بينه وبين السلطات اللبنانية، التي ستمارس عليها الضغوط لتتولى هي ملف حزب الله ونزع سلاحه.
فصل المفاوضات والجبهات هدفه أيضًا أشمل من سلاح حزب الله، فما يسعى إليه الاحتلال عبر هذا الفصل هو الحؤول بين إيران وبين ترسيخ موقعها كقوة مهيمنة سيتمدد نفوذها في المنطقة وتعلن نفسها قوة إقليمية رادعة، وهو ما لم تحققه خلال العقدين الماضيين، إذ عملت خلالهما طهران على بناء شبكة نفوذ متعددة المستويات بنموذج مركّب من التحالفات السياسية والعسكرية مع فاعلين غير نظاميين. لكنها اليوم تقترب من تحقيقه بشرط فرض وحدة الجبهات في القتال والهدنة والمفاوضات.
مكسب استراتيجي تقترب إيران من تحقيقه، وهو ما يثير خوف الاحتلال، الذي يكشف عنه تمسكه بفصل جبهة لبنان عن أي ترتيبات أو تفاهمات أوسع بين أمريكا وإيران، وهذا نتيجة إدراك لطبيعة التهديد الاستراتيجي الذي تمثله "وحدة الساحات/الجبهات"، وهو ترسيخ شبكة ردع إقليمية بزعامة إيرانية تقوم على الربط والتكامل، ستحقق استفادة كبرى عبر سردية الانتصار.
شبكة يعمل الاحتلال على تفكيكها، ولهذا يراهن على نجاحه في ذلك عبر فصل الساحات، الذي من أبرز مكاسبه تقويض ركائز النفوذ الإيراني. فالاحتلال يدرك أن من نتائج الحرب الأخيرة ضد إيران أن الولايات المتحدة الأمريكية ستعيد صياغة حضورها في الشرق الأوسط، وقد تسوقه في سياق إعادة ترتيب أولوياتها، وهذا سيخلف فراغا جيوسياسيا يخشى الاحتلال أن تستثمره إيران لتعزيز نفوذها، ومراجعة التوازنات الإقليمية وتوزيع الأدوار ضمن معادلة أكثر تعقيدًا، أهم ملامحها أن المنطقة لن تكون تحت نفوذ الاحتلال.
لهذا يتمسك الاحتلال وقادته بالحرب ضد لبنان وحزب الله، وبفصل الجبهة اللبنانية عن باقي الجبهات، فهم يخشون أن التفوق السياسي الراهن لإيران قد يصبح هيمنة شاملة إن تمكنت الأخيرة من فرض إرادتها وتوحيد الجبهات، لذلك يسعى الاحتلال، قبل أن يترسخ التحول البنيوي في موازين القوى بالمنطقة، إلى اختبار الهدنة وقدرة إيران على إدارتها دون الانزلاق في الحرب مجددا، وذلك في الساحة اللبنانية.
اختبار يريد به الاحتلال أن يوجه الترتيبات إلى خدمة مصالحه، وهي ضمان هيمنته على دول الطوق ومحيطه الجغرافي بما يجعله قوة إقليمية وجزءًا من تحالف أمني مع جواره يتصدى للنفوذ الإيراني، لكن هذه الرغبة لا تمتلك إسرائيل اليد العليا اليوم لتجعلها واقعا، فهي وإن رفضت الإقرار بذلك خسرت الحرب سياسيا، ونفوذها في تراجع، وإن لم يكن بالصيغة التي يسوقها معسكر المقاومة بسردية نصر تغالي في الاحتفال، وتغفل عن ان شبح الحرب ليزال قائما وان ما حققته ايران من مكاسب لم يثبّت بعد.
لبنان ساحة لصراع النفوذ والهيمنة: من يسيطر على الشرق الاوسط؟
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 10/04/2026
- 28 عدد المشاهدات
تواصلت يوم أمس غارات جيش الاحتلال الإسرائيلي