ضد إيران مجرد مواجهة عسكرية بين قوة عظمى وحليفها الإقليمي وقوة إقليمية لم تنجح بعد في تثبيت نفسها في المشهد، بل باتت لحظة تأسيسية في مسار تحول موازين القوى العالمية وفي طبيعة الحروب المعاصرة ومعادلة الردع التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.
إذ إن هذه الحرب التي شنتها أمريكا والاحتلال ضد إيران، مستغلتين تفوقهما الجوي والتكنولوجي الذي سُوِّق إلى أنه سيضمن لهما تحقيق النصر السريع، أو هكذا كانت قراءتهما السياسية للحرب بعد تحليلهما للبيانات التي جمعتها مؤسساتهما المختصة عن حرب الـ12، واستنتاجهما أن قدرة إيران على التماسك إثر ضربة جوية عنيفة تستهدف رموز النظام ومنشآت عسكرية وأمنية محدودة، وأن هذا إما سيدفع بمن تبقى بالنظام إلى التفاوض والرضوخ أو إلى ثورة شعبية.
لكن ما لم يقدره كلا الطرفين حينما اتخذا قرار الهجوم على إيران أن هذه الحرب، كما حرب 12 يوماً، أظهرت تميزاً وتفوقاً إيرانياً في مجال الطائرات المسيّرة التي لم تعد مجرد أداة تكتيكية في ميدان القتال، بل عنصراً أساسياً يعيد تعريف ميزان القوة العسكري.
فوفق التقديرات الأمريكية والصهيونية المستندة إلى تفوقهما العسكري، القائم على امتلاك طائرات مقاتلة متطورة، وأنظمة دفاع جوي متطورة، وحاملات الطائرات، وأنظمة رصد… إلخ، سيمنحهما اليد العليا والتفوق الجوي المطلق في ظل غياب أو ضعف الدفاعات الجوية الإيرانية ومحدودية سلاحها الجوي، وبالتالي إخضاع إيران ومجالها لسطوتهما منذ الساعات الأولى للحرب إلى نهايتها.
هذه التقديرات التي تجاهلت أو قللت من أهمية أن إيران لا تمتلك ترسانة هامة من الصواريخ الباليستية فقط، ولا قدرة على غلق مضيق هرمز أمام الملاحة، بل تمتلك ما هو أهم، وهو طائراتها المسيّرة، السلاح منخفض الكلفة القادر اليوم على إرباك أكثر الجيوش تفوقاً تكنولوجياً. فإيران، وعبر مسيّراتها على غرار المسيّرة الانتحارية شاهد 136، أغرقت الدفاعات الجوية الأمريكية والصهيونية واستنزفت مخزونها من الصواريخ الاعتراضية باهظة التكلفة بنسق يتجاوز وتيرة التصنيع.
هكذا برزت هذه المسيّرات الإيرانية منخفضة الكلفة كأداة رئيسية في المواجهة وفي تعديل التوازن والردع، عبر اعتماد القوات العسكرية الإيرانية على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة الكلفة لاستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة والسفن التي تخترق قرار منع الإبحار في المضيق.
هذه الاستراتيجية التي تعرف اليوم من قبل الإيرانيين بـ"الإغراق الدفاعي"، هدفها هو دفع أنظمة الدفاع الجوي إلى مواجهة عدد كبير من الأهداف الصغيرة في وقت واحد، لرفع كلفة الاعتراض إلى مستويات غير متناسبة مع كلفة السلاح المستخدم، بما يحقق لها إجهاد منظومات الدفاع الجوي واستنزافها قبل أن تصل أي من مسيّراتها أو صواريخها إلى هدف وتحقق إصابة مباشرة.
استراتيجية أثبتت إلى اليوم نجاحها وكشفت أن المنظومات الدفاعية الأمريكية، رغم تطورها، إلا أنها تواجه تحدياً حقيقياً لاعتراض هذا النمط من الهجمات الكثيفة. فالصاروخ الاعتراضي تقدر كلفته بين مليونين و4 ملايين دولارات وفق المنظومة الدفاعية، ولاعتراض مسيّرة أو صاروخ إيراني منخفض التكلفة يُستخدم صاروخان اعتراضيان أو أكثر، مما يجعل الكلفة باهظة وغير مستدامة.
وهذا يغير معادلة الردع الكلاسيكية التي قامت لعقود على التفوق التكنولوجي والاقتصادي للقوى الكبرى القادرة على امتلاك أسلحة باهظة ومتقدمة، أي معادلة تقوم على احتكار القوة العسكرية والتكنولوجية من قبل القوى الاقتصادية الكبرى بالأساس. لكن هذا انهار كلياً مع الحرب الراهنة التي كشفت أن إيران باتت من القوى الإقليمية الوازنة ولها تميز وتقدم في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، بما يعني عملياً نهاية الاحتكار الذي كانت تتمتع به القوى الغربية في مجال التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
فإيران باتت نموذجاً لدولة إقليمية نجحت في تطوير صناعات عسكرية فعالة خارج منظومة الصناعات الدفاعية الغربية، وهو ما يعيد توزيع خارطة الصناعة والقوة العسكرية في النظام الدولي الذي يشهد اليوم بروز دول غير غربية، وهي بالأساس الصين وإيران وتركيا، لا تكتفي بإنتاج هذه التكنولوجيا العسكرية وتجهيز جيوشها بها، بل باتت مصدراً لها، وهو ما يعكس بداية تغيير في مراكز القوة العسكرية والاستراتيجيات الحربية التي ستشهد اليوم تغييراً وثورة بفضل المسيّرات التي تسمح بإعادة رسم جغرافيا الحرب وتوسيع جبهاتها، مما يعني تطوراً في مفهوم الردع العسكري.
فاليوم نحن لم نعد أمام ردع قائم على التفوق المطلق، بل أمام نموذج جديد يقوم على الردع غير المتكافئ، حيث تستطيع قوى أقل قدرة عسكرياً أن تفرض كلفة مرتفعة للحرب على خصومها، وهذا ما أكدته إيران بمسيّراتها بعد أن لمحت إليه الحرب الروسية الأوكرانية منذ 2022.
نهاية احتكار القوة والتكنولوجيا العسكرية : مسيرات ايران وصواريخها تعيد تعريف الردع
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 17/03/2026
- 31 عدد المشاهدات
لم تعد الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال