دونالد ترامب بأن الحرب على إيران تقترب من نهايتها، عادت الضربات الجوية والصاروخية تستهدف طهران التي واصلت رشاقتها الصاروخية على أهداف مختلفة في المنطقة. لنكون أمام مشهد لا يحتاج إلى كثير من التأويل.
حرب يقال إن نهايتها تقترب، لكنها تتوسع في الميدان، مما يعيد طرح سؤال بسيط: من يحدد زمن الحرب؟ هل هي الولايات المتحدة الأمريكية كما سوق رئيسها ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث يوم أمس في ندوته الصحفية بالبنتاغون، أم هم الإيرانيون الذين يرفضون اليوم التفاوض أو إيقاف الحرب؟
ما نعلمه أن الحروب تبدأ عادة بقرار سياسي واضح. ومنها الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال على إيران في 28 فيفري الفارط، في ظل تقدير كليهما بأن مصالحهما مهددة وأن القوة العسكرية يمكن أن تغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط وفي ملف إيران، فتقرر الذهاب إلى الحرب التي سوق لها، ولا يزال اليوم من قبل من أطلقها، على أنهما يملكان السيطرة الكاملة على مسارها.
لكن وقائع الأرض اليوم تقول شيئا مختلفا. فبمجرد أن أطلقت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية، تغيرت طبيعة الحرب وتداخلت عوامل عدة في الحسابات، وتغيرت موازين الردع بعد أن أظهرت إيران لا فقط القدرة على الصمود، بل القدرة على الرد ورفع تكلفة الحرب على الجميع، وقدرتها على فرض حرب مفتوحة لا يمكن لمن قرر بدايتها أن يحدد نهايتها.
كما سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تسويقه خلال اليومين الفارطين، سواء عبر تصريحات ترامب عن اقتراب نهاية الحرب أو عبر تصريحات وزارة الدفاع بأن أمريكا ورئيسها هما من يقرران نهاية الحرب، وهي تصريحات تعكس محاولة سياسية لرسم لحظة النهاية، وهو ما برز بشكل جلي في كلمات وزير الدفاع الذي سوق بأن الحرب اقتربت من تحقيق أهدافها وأن الرئيس ترامب هو من سيحدد إن كانت العمليات العسكرية أنجزت أهدافها وإن كان يمكن أن تتوقف الحرب.
تصريحات للوزير الذي سوق أن العمليات العسكرية أدت إلى تدمير البنية التحتية العسكرية الإيرانية وتقليص قدرتها على توجيه ضربات صاروخية والقضاء على سفنها الحربية وغيرها من التفاصيل والنسب التي قدمها الرجل، لا ليعرض حقيقة المشهد والحرب، بل ليحدد ملامح الرواية السياسية للحرب التي تسرع الإدارة الأمريكية إلى الإعلان عن نتائجها ورسم الإطار الذي تفهم الحرب ونتائجها من خلاله.
أي إن الخطاب العسكري والسياسي للإدارة الأمريكية اليوم يبحث عن تأطير الحرب ونهايتها وهدفها ضمن سردية نصر عسكرية تسقط منذ البداية حقيقة أن الحرب ليست فعلا أحاديا يمكن أن تقرر الإدارة الأمريكية متى تتوقف أو معنى النصر، خاصة وأن الطرف المقابل وهو إيران تحارب اليوم وفق قراءة تقوم على أن نصرها يكمن في استمرار القتال ورفع تكلفة المواجهة ضدها، وأن نهاية الحرب لن تتم ما لم تحقيق إيران اليوم هدفا استراتيجيا، وهو إنهاء الحرب كليا في المنطقة، أي أن تتوقف آلة حرب دولة الاحتلال لا فقط في علاقة باستهداف إيران بل بكامل المنطقة، والإقرار بأن إيران باتت قوة إقليمية رادعة.
لهذا تستمر إيران في الحرب، والتي تنظر إليها على أنها حرب وجود تستوجب منها الدفاع عن نفسها وتوظيف كل أدواتها، لا فقط للصمود بل لتحسين موقعها التفاوضي، بما فيها خنق مضيق هرمز وتعطيل حركة الملاحة البحرية وضرب سوق الطاقة والاقتصاد الدولي لحسم الحرب سياسيا واقتصاديا.
فإيران تدرك اليوم أن الحروب الحديثة لا ينتصر فيها من يحقق النصر العسكري الكامل، بل من يحسن إدارة المعركة ويستمر في القتال وتوظيف ما له من أوراق ضغط اقتصادية لضمان تسوية سياسية تنهي الحرب، تسوية تدرك أنها لن تصل إليها ما لم تحقق تحولا تدريجيا في الحسابات وتدفع بالولايات المتحدة الأمريكية بالأساس إلى إدراك أن استمرار العمليات العسكرية لن يغيّر من النتائج.
هذا ما تدفع في اتجاهه إيران اليوم: لحظة يتغير فيها منطق الصراع، تتراجع فيها قدرة القوة العسكرية على الحسم، لتترك مجالا للسياسة والدبلوماسية لتنهي الحرب عبر المفاوضات. لكن الوصول إلى هذه اللحظة لا يحدث بقرار مفاجئ، بل نتيجة تراكم عوامل كثيرة: الخسائر البشرية، الكلفة الاقتصادية للحرب، القلق الدولي من اتساع الصراع، عوامل يبدو أنها تتظافر اليوم لتدفع بالأطراف التي أعلنت الحرب للبحث عن مخرج وتلوح بأن شروط استمرار الحرب لم تعد قائمة. وهذا ما تلمح إليه اليوم أمريكا، وليس إيران، لا لأنها حققت نصرا عسكريا بل لأنها تدرك أن إعلان نهاية الحرب الآن، وإن لم يكن هزيمة لها، فإنه يجعلها حبيسة ذات اللحظة والسياق الذي قامت فيه الحرب ضدها، أي إنها تظل مهددة بالحرب.
لذلك فهي تعمل على إطالة أمد الحرب إلى أن تحقق هدفا أساسيا، وهو أن استهدافها مستقبلا من قبل أوروبا ودولة الاحتلال لم يعد ممكنا وفقد شروطه. وإلى حين تحقيق هذا الهدف قد تستمر إيران، التي وإن تكبدت خسائر في الحرب، بغاية تغيير موازين القوة والحسابات السياسية لفائدتها. عند تلك النقطة فقط قد تذهب إلى التفاوض، وهذا يعني أن الحرب ستستمر إلى أن تتوفر شروط نهايتها للإدارة الأمريكية وإيران معا، وهذا لا يزال بعيدا