العلاقات الإيرانية - الخليجية: توازن هش تحت ضغط الحرب

ما نظر إليه وفق الحسابات الغربية على أنه

حرب خاطفة سريعة، بات اليوم حربا اقليمية مفتوحة تتجاوز التقديرات الاولية سواء في علاقة بمدها او بشكل المنطقة بعدها، الجلي ان هذه الحرب ستعيد رسم خرائط نفوذ في الخليج وفي الشرق الأوسط برمته، فهي هنا لم تعد ظرفا طارئا يؤثر في العلاقات، بل أصبحت هي المحدد البنيوي لها والإطار الذي يعاد فيه صياغة مفاهيم الردع والأمن والسيادة.

ففي بدايات المواجهة، بدت دول الخليج طرفا متأثرا بتداعيات الصراع لا طرفا أصيلا فيه، بحكم الجغرافيا التي وضعتها في قلب مسرح العمليات وعرضة لاستهداف القواعد الأجنبية المنتشرة على أراضيها. غير أن التطورات اللاحقة كشفت تعقيدا أكبر، بعض هذه الدول لم تكتف بإدارة التداعيات، بل انخرطت – بصورة غير معلنة – في دعم مسار الحرب، انطلاقا من قراءة تعتبر أن امتناع واشنطن عن المواجهة، رغم الحشد العسكري، كان سيمنح إيران فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي وترسيخ موقعها في معادلة الهيمنة.

فبعض العواصم رأت في امتناع واشنطن عن خوض المواجهة، رغم الحشد العسكري، فرصة تمنح لإيران لتعزيز نفوذها الإقليمي وترسيخ موقعها في معادلة الهيمنة، وهو ما دفع بها الى الانتقال ولو دون اعلان صريح – من موقع إدارة تداعيات التصعيد في المنطقة الى البحث عن التأثير في مسار الحرب، انطلاقا من تقدير مفاده أن كلفة المواجهة المحدودة اليوم أقل من كلفة نفوذ إيراني متعاظم غدا.

وهذا لا يعني ان كل دول الخليج لها هذا الموقف والتقييم، وان كانت اليوم وبحكم الامر الواقع تنزل بين منزلتين، متحفظة تتجنب الصراع المفتوح والمواجهة المباشرة مع إيران وتكتفي بتصريحات ادانة وتتمسك بحقها في الرد على استهداف منشآتها النفطية وبنيتها التحتية المرتبطة بقطاع الطاقة، لتكشف ضمنيا عن صدع بينها، اذ ان الموقف الخليجي بعد أيام قليلة من الحرب لم يعد متجانسا كما توحي به البيانات، والحسابات الداخلية تباينت وفق ميزان التهديد.

فبعض العواصم تبنت مقاربة حذرة أقرب إلى التحوط الاستراتيجي، تسعى من خلالها الى حماية منشآتها الحيوية ومنع تحولها إلى أهداف مباشرة لإيران، وبهذا المعنى لم يعد الخليج وحدة صلبة متطابقة الإرادة، بل فضاء تحالف بمقاربات مختلفة، بين من يغلّب أولوية الاستقرار الاقتصادي ولا يرى مانعا في التقارب مع ايران، ومن يقدّم أولوية موازنة النفوذ الإيراني، ومن يحاول الجمع بينهما ضمن هامش دقيق من المناورة.

لكن رغم الاختلاف الظاهر الا ان ما يجمع الثلاثي هنا ويحدد خطواته هو البعد الاقتصادي الذي يضاعف تعقيد المعادلة، فاقتصاديات دول الخليج القائمة على تصدير الطاقة هي في ارتهان كلي لانسياب حركة الملاحة والتجارة، مما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب أمني في محيطها وخاصة في الممرات البحرية، كمضيق هرمز الذي توقفت فيه حركة الملاحة او باب المندب اين ينتشر حلفاء ايران.

لذلك تبدي الدول الخليجية ضبطا وانضباطا وقائيا، حتى تلك التي تدعم الحرب أو تسمح بتوظيف قواعدها في أعمال استطلاع ورصد ودعم لوجستي، فهي تراهن على تعزيز الدفاعات، وخفض الخطاب التصعيدي، وإبقاء قنوات خلفية مفتوحة مع ايران على انه حزمة الخيارات العقلانية والمعقولة لحماية مصالحها وداخلها، فهذه الدول خاصة الوازنة منها لا تريد المغامرة بمواجهة مباشرة مع ايران سيكون لها تداعيات وانعكاس في الداخل، وهو ما يجعلها حتى وان أبدت الدعم فانها تتجنب الاعلان عنه او الانخراط الفعلي.

وهذا ما تدركه إيران بدورها، وتعلنه صراحة بخطواتها التي عكست قراءتها للمشهد من زاوية أمنها الحيوي، التي ترى في أية اصطفاف خليجي كامل مع الغرب سيفاقم الضغط عليها وسيكون بمثابة طوق استراتيجي، لذلك فقد سارعت الى توسيع مفهوم الردع الخاص بها ليمتد من ضرب القواعد العسكرية والبنية التحتية المرتبطة بها الى ضرب البنية التحتية النفطية والتضييق على الملاحة في الممرات البحرية.

ما تأتيه ايران هنا ايضا خطوة مدروسة لا تذهب بالمواجهة الى اقصاها، بل تجعلها منحصرة في مربعات يبدو انه متفق عليها ضمنيا بينها وبين دول الخليج، فرغم التوتر الظاهر اليوم بينهما الا ان كليهما يتحركان ضمن قيود واضحة، وهي تجنب دفع المنطقة الى ساحة حرب استنزاف تطال الجميع لكن جعل الحرب مرتفعة الكلفة على الخصوم، اي ادارة الحرب وتوسيع نسقها دون المخاطرة بالانزلاق إلى مواجهة شاملة غير قابلة للتحكم مع دول المنطقة.

هنا تتشكل علاقة بين ايران ودول الخليج لا يمكن وصفها بأنها ردع متبادل بقدر ما هي توازن هش بين كيانين، ايران التي لا تتحرك بحرية والخليج الذي لا يمثل كتلة واحدة، اي انا امام علاقة بين طرفين محكومين بمعادلة الكلفة مقابل العائد، وبقدرتهما على الحفاظ على تماسكهما الاجتماعي في ظل ضغوط اقتصادية وأمنية.

وهي حرب ستكون كلفتها البشرية باهظة بشكل غير مسبوق. فاندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين دول الخليج وإيران يعني سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ولن نكون نحن التونسيين استثناء ، قمهما بدت الجغرافيا بعيدة الا ان اثر هذه الخىب ستطلنا وتطال جاليتنا في دول المنطقة ومنها جاليتنا في لبنان التي تقاسم اللبنانين تداعيات العدوان الصهيوني عليهم واستئنافه الحرب ضد لبنان.

هذه العلاقة يعاد اليوم رسم قواعدها العسكرية والاقتصادية والسياسية بوقع الحرب وزمنها، ولن تعرف طبيعتها ولن تحدد قبل نهاية الحرب وانقشاع غبارها

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115