وقع حادثة التحرّش بطفل في الثالثة من عمره داخل روضة خاصة، ليقفوا على أن مأساة الطفل وأهله لم تكن مجرّد واقعة جنائية معزولة، بل حدثًا جللًا كشف عن خلل أعمق في منظومة يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن الطفولة.
الفضاء التربوي، الذي يُسوَّق باعتباره امتدادًا للأسرة وحيزًا للرعاية والطمأنينة، تحوّل – ولو في حالة واحدة – إلى مصدر تهديد، وأجهزة الدولة التي يُفترض أن تشتغل بكفاءة وسرعة إن تعلّق الأمر بخطر يهدد الطرف الأكثر هشاشة في المجتمع، كانت ثقيلة لتؤكد هشاشة منظومة حماية الطفولة.
المعطيات المتداولة حول الحادثة تشير إلى أنّ الانتهاك وقع داخل مؤسسة تربوية خاصة يرتادها الطفل، والذي أبلغ أسرته بتفاصيل سلوكية غير مألوفة، قبل أن تتضح لاحقًا مؤشرات الاعتداء الذي جدّ، وفق أسرته، في نهاية شهر جانفي الفارط، قبل أن تتوالى الأحداث وتصبح قضية رأي عام هزّت الشارع التونسي ودفعت بالسلطات إلى التحرك بسرعة قصوى. هذه التفاصيل وحدها تكشف مستويين من القصور، أوّلهما غياب آليات رقابة داخلية فعّالة في المؤسسات التربوية الخاصة أو العمومية تمنع إمكانية وقوع الفعل، وثانيهما – وهي نقطة مزدوجة – انعدام منظومة كشف مبكر داخل المؤسسة نفسها، بحيث تُرصد السلوكيات الشاذة قبل أن تتحول إلى جريمة، وانعدام منظومة تعالج مثل هذه القضايا بسرعة وفاعلية ونزاهة حال وقوعها.
قد يُقال إنّ عدد القضايا المماثلة في رياض الأطفال محدود، وإنّ الأمر لا يعكس ظاهرة بنيوية، أو إنّ السلطات سارعت، بعد انكشاف القضية في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى التحرك واتخاذ الإجراءات، من إلقاء القبض على المشتبه بهم إلى غلق المؤسسة الخاصة، غير أنّ هذا الطرح يغفل عن أهم الحقائق الأساسية التي كشفتها الواقعة.
وهي أنّ الطفولة المبكرة مرحلة عجز كامل عن الدفاع عن الذات أو حتى القدرة على إدراك الاعتداء وتوصيفه بدقّة. ففي هذه السنّ، لا يمتلك الطفل أدوات اللغة ولا الوعي الكافي لتمييز الخطر والإبلاغ عنه في جلّ الحالات، مما يعني أنّ الارتكاز على انخفاض الإحصائيات الرسمية لا يمكن أن يكون مؤشر أمان وسلامة لمنظومة حماية الطفولة، حتى وإن كانت هذه المعطيات دقيقة كليًا في علاقة بالانتهاكات ضد الأطفال، سواء في الفضاء التربوي أو الأسري، وهما الفضاءان اللذان يكون فيهما الطفل أكثر عرضة للخطر.
مما يقودنا إلى القول إنّ المسألة لا تتعلق بشخص أو مؤسسة بعينها، وإن كان الفرد أو المؤسسة يتحملان المسؤولية الجزائية، إلا أنّ هذا الفعل المدان هو من تداعيات خلل في البنية الرقابية والتكوين والمتابعة، يمكّن مرتكبي الفعل من الاستفادة من ثغرات إجرائية ومن ثقل الجهاز الإداري للدولة للإفلات من العقاب والاستمرار في التواجد في فضاءات للطفولة، وهو ما يعني توفر إمكانية لتكرار الانتهاك وتعريض الأطفال لخطر جسيم.
فمنظومة حماية الطفولة تعاني من خلل بنيوي وغياب بروتوكولات صارمة في كل مستويات المنظومة التي يجب أن تستبطن أنّ الخطر قائم لا يمكن إنكاره ولا تجاهله، وإن كانت الحوادث غير متواترة أو إحصائياتها شبه صفرية، فالطفل هو الطرف الأكثر هشاشة في المجتمع والأكثر عرضة للمخاطر والانتهاكات، مما يفترض أن يمرّ العاملون في مؤسسات الطفولة المبكرة بالأساس عبر مسار من التدقيق، وأن تخضع الفضاءات الداخلية لرقابة تقنية وتقسيم واضح للمسؤوليات، وإلزام المؤسسات بآليات تبليغ فوري لأي سلوك مشبوه، وآلية تعهد فورية حال تلقي أية شكاية أو اشتباه، وغيرها من الإجراءات والبروتوكولات التي تضمن حدودًا دنيا من الأمان ومتابعة جدية ودقيقة لأي شبهة.
إذ إنّ الاعتلالات النفسية والانحرافات السلوكية ذات الطابع الجنسي تجاه الأطفال، وإن كانت إحصائيًا محدودة، إلا أنها تظل تمثّل خطرًا لا يمكن تجاهله، لأنّ كلفتها الإنسانية مطلقة. فالطفل الضحية لا يحمل جرحًا عابرًا، بل أثرًا قد يمتدّ إلى تشكّله النفسي والاجتماعي لسنوات طويلة. وهذا ما يفترض أن ننتبه إليه في التعامل مع الاعتداءات الجنسية ضد الأطفال.
وهو ما يستوجب منا أن نطرح سؤالًا ونجيب عنه بشجاعة، وهو: هل إنّ منظومتنا لحماية الطفولة مصمّمة على أساس إدارة المخاطر؟ وللأسف، الإجابة التي قدمتها لنا واقعة التحرش بالطفل تخبرنا بأنّ منظومتنا قائمة على أساس الثقة في أنّ سلوكنا الفردي والجماعي لا يسمح بالانتهاكات والاعتداءات، أو هذا الاعتقاد الراسخ، رغم أنّ المعطيات الرسمية تشير إلى تعدد حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال في فضاءات يُفترض أنها آمنة؛ الأول هو الأسرة، والثاني هو الفضاءات المخصصة للطفولة، من رياض أطفال إلى مدارس.
هنا لا يمكن للدولة ومؤسساتها أن تراقب الفضاء الأسري لضمان أنه فضاء آمن، فهذه مسؤولية الأهل بالأساس، ولكن الدولة مطالبة بأن تضمن الأمن في فضاءات الطفولة العمومية والخاصة، وهنا الأمن لا يُقاس بعدد القضايا المسجّلة، بل بمدى توفر شروط تجعل من الاستحالة وقوعها، وقدرة منظومتها الحمائية على تفادي أية ثغرة مهما بدت صغيرة، وأن تبني منظومة متكاملة من التدقيق إلى التكوين إلى الرقابة إلى آليات التبليغ والمتابعة.
إذ علينا اليوم أن نعترف بأنّ أضعف حلقات المجتمع هي الطفل الذي يستحقّ أقصى درجات الحماية، فوقوع حادثة، حتى وإن كانت معزولة واستثنائية، في فضاء يمثل ملاذًا آمنًا، يكشف أنّ المنظومة بحاجة إلى مراجعة عميقة بهدف ضمان أقصى حماية لأضعف أفراد المجتمع