الاختلاف يبني الوطن والعداوة تدمرّه !

ثارت ضجة على امتداد كامل هذا الأسبوع حول مشاركة

سناء بن عاشور وحمادي الرديسي والمولدي قسومي في ندوة فكرية حوارية حول «تونس والديمقراطية بين الانتقال والانتكاس» نظمتها جبهة الخلاص الوطني وأدار الحوار فيها سمير ديلو.. وانهال الشتم والسباب على هذا الثالوث واتهموا بتبييض الارهاب (هكذا!!) وبالعمالة والارتزاق وبخيانة دم الشهداء، والغريب أن بعض هذه التهم وردت على لسان شخصيات تعدّ من «النخبة» الفكرية والسياسية وتعلقت كلها بمبدإ النقاش مع «الاخوانجية» لا بمضمون المداخلات..

في تونس نجد أنفسنا في حالات عدة مضطرين للعودة الى الأبجديات: المثقف كائن حرّ يفكر ويتحرك خارج منطق القطيع و«الفكر» المصقول المهذب لا يحتكم الا لعقله ولضميره، فهو يفكر كما يريد ويتناقش مع من يريد وفي الاطار الذي يرتئيه.. هذه هي تقديراته واجتهاداته وهي قابلة للنقد وللنقاش ولاشك ولكن التهجم والسباب والشتيمة انما يقوم حجة على أصحابه لا على فكر وموقف المثقف..

والمثقف - بالمعنى العميق للكلمة - لا يختبر في صورة أو لقاء أو موقف بل هو سيرورة فكرية وشخصية وروحية، وبهذا المعنى وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف في الأفكار والمواقف، سناء بن عاشور وحمادي الرديسي والمولدي قسومي هم من طينة المثقفين الكبار في بلادنا اسهاما ومواقف ومبادئ.

ولكن وراء الشتائم المرفوضة هنالك سؤال جدي يستحق التوقف عنده: هل ينبغي الحوار مع الاسلاميين أم مقاطعتهم كلية، وهل الاسلاميون شركاء في الوطن - حتى ولو كان ذلك من موقع الخصومة - أم هم أعداء له ينبغي عزلهم وعدم «التطبيع معهم»؟

ينبغي أخذ هذا السؤال مأخذ الجدّ وأن نسعى لتجاوز ما يحف به من مشاعر ومواقف متصارعة ومتعادية..

يقوم الاسلام السياسي على فكرة بسيطة الى حدّ ما وهي تحويل الموروث الديني من سمة ثقافية انتروبولوجية الى عقيدة سياسية شمولية لا تشمل السلطة فقط بل الفرد والمجتمع أيضا، وبهذا المعنى تتسع هذه العائلة الايديولوجية لتنظيمات وتيارات وشخصيات شتى من أحزاب كالعدالة والتنمية في تركيا والمغرب الأقصى مرورا بالحركات الاخوانية بتنوعاتها وحزب التحرير والتيارات السلفية وصولا الى الجماعات الارهابية التي تنتمي للسلفية الجهادية التكفيرية المعولمة كالقاعدة و«داعش»..

هل ينبغي حشر كل هؤلاء في خانة الأعداء؟ أم أن نقيم حدّا فاصلا بين الأعداء والخصوم؟

لنترك مؤقتا الاسلام السياسي ولنلتفت للتيارات الايديولوجية الأساسية تونسيا وعربيا خلال المائة سنة الأخيرة.. سوف نجد أن أهم هذه التيارات - اضافة الى الاسلام السياسي - هي ما يسمى بالتيارات الوطنية (كالحزب الدستوري في تونس والوفد في مصر والاستقلال في المغرب) والقومية العربية (الناصرية والبعثية) والماركسية اللينينية والتي انحدرت منها جلّ التيارات اليسارية مع وجود تيار ليبرالي ديمقراطي يبقى محدودا وأخيرا الايديولوجيات الشعبوية..

لو أخذنا العنف (ضد الأفراد والجماعات والدولة) كمعيار أساسي للتقييم بين الصديق والعدو داخل مجتمع ما ولو استثنينا التيار الليبرالي الديمقراطي هل يمكننا أن ننزه كل الايديولوجيات الأخرى من العنف؟ وهنا لا نتحدث عن التجربة التونسية بل عن هذه الايديولوجيات عربيا وعالميا..

من يمكنه أن يذكر العنف المروع للأنظمة التي تبنت الماركسية اللينينية أو عنف جماعات الجيش الأحمر والألوية الحمراء.. أو عنف الأنظمة القومية العربية ولاسيما منها البعثية.. وكذلك العنف والقمع الذي مارسته التيارات الوطنية عندما حكمت في عدة دول عربية...

ما نقوله لا يبرر مطلقا العنف الدموي للجماعات الارهابية التي مارسته باسم ايديولوجياتها التكفيرية ولكن لندرك أن فكرة العنف موجودة في جلّ الايديولوجيات التي تهيمن على مناخنا السياسي والفكري وأن نقول أيضا أن لا وجود لهويات ثابتة أزلية لا تتغير ولا تتكيف مع محيطها فأن تكون اليوم قوميا أو يساريا أو اسلاميا أو شعبويا أو وطنيا فليس مرادفا أنك مازلت تحمل فكرا شموليا عنيفا، ويمكن أن نقول هنا أن، حركة حقوق الانسان التي بدأت تشق طريقها في ربوعنا خاصة مع سبعينات القرن الماضي قد ساهمت بصفة كبيرة في «تلقيح» أجيال من مختلف هذه الايديولوجيات من العنف أولا وحتى من الوهم الايديولوجي في بعض الحالات..

الديمقراطية لا تعني الضعف والميوعة مع من يهدد أركانها امّا بالعنف المادي ككل التنظيمات الارهابية أو بالعنف المعنوي القائم على الفرز التصفوي ولكن المصلحة الجوهرية للمجتمع وللديمقراطية هو في الحدّ الأقصى من دائرة الأعداء والتوسع الأقصى لدائرتي الأصدقاء والخصوم، والخصومة التي نقصدها هنا هي داخل الديمقراطية - بمعناها الواسع الادماجي لا الاقصائي - لا خارجها..

لنعترف أن أنصار العيش المشترك في بلادنا يمثلون أقلية وأن أفكار حقوق الانسان مجلبة للسخرية حتى عند بعض «النخب» وأن القبول بالآخر المختلف ليس بعد من «شيمنا» ولو بحثنا عن أساس فكري لفشل الانتقال الديمقراطي في بلادنا لكان بالتأكيد في ضعف الثقافة الديمقراطية الادماجية وفي غلبة النزاعات القصووية والاقصائية عند أهم الأطراف الوازنة والفاعلة في البلاد..

السؤال الديمقراطي النزيه ليس هو: هل ينبغي الحوار مع الاسلاميين (ونقصي هنا بالطبع التيارات التكفيرية والسلفية الجهادية المعولمة)؟ بل السؤال الديمقراطي النزيه هو: هل ينبغي الحوار مع الاسلاميين ومع اليساريين ومع القوميين ومع الدستوريين ومع الشعبويين؟ والجواب قطعا نعم وألف نعم على خلفية الاختلاف الديمقراطي والتعايش السلمي ونبذ كل أشكال العنف المادي والمعنوي للتوسيع المستمر لدائرتي الأصدقاء والخصوم على حساب دائرة الأعداء..

في بلادنا تعودنا على الاقصاء المتبادل وعلى أن نضع الأشخاص والتيارات في مواقع محنطة وفي ماهيات ثابة تشجعنا على الكسل الفكري وتؤكد لنا أفكارنا المسبقة على الأشياء فضعفت لدينا شروط العيش المشترك.. ولكن في بلادنا أيضا مثقفات ومثقفون قرروا الخروج على السائد المعتاد وأن يذهبوا للآخر المختلف بحثا دوما عن المؤتلف والموحد.. ولهذا هوجم كثيرا المولدي قسومي لأنه يساري اختار أن يتحاور مع الدستوريين وأنصار الدستوري الحرّ تحديدا والآن مع لفيف من الاسلاميين ولهذا أيضا هوجمت سناء بن عاشور وهوجم حمادي الرديسي لأنهما اختارا الخروج من دائرة العداوة الى دائرة الخصومة والاختلاف التي تبحث عن المشترك دون أن تتنازل عن حقها في النقد وعن تبيان مواطن الخطإ والخطر في الاسلام السياسي وفي غيره من الايديولوجيات الشمولية المهيمنة على عقولنا...

أخيرا العيش المشترك لا يعني تحالفا للحكم أو حتى للمعارضة، يعني فقط حق كل التونسيات والتونسيين في العيش الكريم مع بعضهم البعض شريطة النبذ المطلق للعنف المادي والتحصين الأقصى من كل أشكال العنف الرمزي والقبول بالتداول في الفضاء العام وبالتداول السلمي على السلطة وبتعميق أرضية وجودنا الوطني المشترك...

لكل هذا ولغيره شكرا لسناء بن عاشور وحمادي الرديسي والمولدي قسومي وسمير ديلو وغيرهم كثير في مختلف التيارات والمواقع نبني معا قواعد العيش المشترك ونختلف في السياسات والبرامج والرؤى ونتصارع حولها في دائرة الخصومة لا في دائرة العداوة

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115