ارتفاع أسعار الذهب والفضة: العالـم يتغيّر والمخاطر تشتد

«الأرض» التي اعتاد العالم اعتبارها أساسا صلبا ومرتكزا

لكل الحسابات، لم تعد ثابتة، إذ تتصدع تضاريسها في السياسة والاقتصاد والمال، بينما كانت تبدو مستقرة، بدأت تتغير في ظل التحولات المتسارعة. لم تصمد أمام هذه التحولات الثوابت القديمة ولا اليقينيات والقواعد الراسخة، التي أصبحت اليوم محل مساءلة وإعادة تشكيل.

أبرز الأمثلة على ذلك التحولات الجيوسياسية، ومشاريع إعادة تحديد الحدود والنفوذ، إلى جانب إعادة تشكيل النظام الائتماني العالمي، وهو ما تكشفه مؤشرات الارتفاع الحاد والمستمر في أسعار الذهب والفضة، الذي يعكس تحولات في تقييم المخاطر والأصول على المستوى العالمي.

يشير الارتفاع المستمر لأسعار المعادن النفيسة منذ أزمة الأصول الروسية إلى أننا لسنا أمام تغيرات ناجمة عن اختلالات كلاسيكية بين العرض والطلب، بل أمام تحول جوهري في تفضيلات السيولة والملاذات الآمنة لدى المستثمرين، سواء المؤسسات أو الأفراد، إذ بات التركيز ينصب على التحوط وحماية القيمة، وليس على العوائد المالية التقليدية كالأسهم والسندات.

وقد قاد هذا التحول تغيّر البيئة الاقتصادية الكلية والمالية العالمية. فبعد عقد من التضخم المنخفض في بداية الألفية، يعيش العالم اليوم على وقع تضخم متصاعد ناجم عن اضطرابات سلاسل الإمداد والضغوط الجيوسياسية، يضاف إليه ارتفاع مستويات الدين العام، لا سيما في الاقتصادات المتقدمة، ما يضعف اليقين بشأن استدامة بعض الأصول «الآمنة» تقليديا.

وما يجعل السياق هذه المرة مختلفًا، هو تزامن هذه المخاطر مع تحولات في السياسات النقدية لعدد من البنوك المركزية، أبرزها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك اليابان، مما يعني نهاية عصر المال الرخيص وارتفاع تكلفة الاقتراض.

هذا التحوّل يفاقم حالة عدم اليقين ويعيد تشكيل استراتيجيات إدارة الأصول، من منطق العائد إلى منطق التحوط، ليس انعكاسا للهلع، بل نتيجة قراءة واقعية لعالم تتكاثر فيه مصادر المخاطر. فقد باتت المخاطر ممتدة عبر الجغرافيا والسياسة والبيئة والطاقة، ما يجعل الاستثمار في الأصول ذات العائد رهين افتراضات نمو غير مضمونة، فيما توفر أصول التحوط استمرارية أكثر وحفاظًا على القيمة.

ولهذا عاد الذهب ليؤدي وظيفته القديمة بمعنى معاصر، إذ لم يعد مجرد أداة تحوط فردية، بل أصبح خيارا مؤسسيا تلجأ إليه البنوك المركزية في إطار إعادة ترتيب وتنويع الاحتياطيات. أما الفضة، فقد اكتسبت بعدا إضافيا من خلال التقاء وظيفة التحوط مع الطلب الصناعي المتنامي المرتبط بالتحول الطاقي والتكنولوجي، ما جعلها أكثر حساسية لتقلبات السوق.

يتجه المستثمرون والمؤسسات الحكومية والخاصة نحو الذهب باعتباره أصلًا ماديا غير مرتبط بالائتمان، مما يقلل المخاطر، خاصة بعد العقوبات المفروضة على روسيا. وقد أدركت البنوك المركزية في الصين ودول الخليج وروسيا وتركيا هذا التحول، وزادت من مخزوناتها من الذهب على حساب العملات والسندات، حيث بلغت متوسطات الشراء السنوي أكثر من 1000 طن، مع استمرار ارتفاع الطلب من المستثمرين.

هذا الانتقال من البحث عن العائد إلى التحوط يحمل تداعيات كبرى على النظام المالي والاقتصادي العالمي، إذ يوجه السيولة نحو الأصول التحوطية ويقللها عن الاستثمار الإنتاجي (كالآلات والبنية التحتية والتقنيات الجديدة)، ما يبطئ النمو الاقتصادي طويل الأمد ويعيد تسعير المخاطر، خصوصًا على الديون السيادية في الدول الهشّة، ويرفع تكلفة الاقتراض.

تونس ليست بمعزل عن هذا السياق، فهي تتأثر عالميًا برفع أسعار المعادن، ما يزيد كلفة التمويل الخارجي ويعمّق التضخم المستورد، ويضغط على الميزان التجاري والاحتياطي من العملات الأجنبية، في اقتصاد يعتمد على الواردات ويعاني أصلًا من ضعف النمو. وهنا يكمن الخطر الأساسي، وهو استيراد التضخم الذي يهدد قدرة البنك المركزي على ضبط الأسعار، وقد يؤدي إلى تراجع الاحتياطيات النقدية الأجنبية.

المؤشرات الاقتصادية في تونس قد لا تعكس صدمة مباشرة من أسعار الذهب والفضة، لكنها تكشف هشاشة الاقتصاد أمام ارتدادات السياق العالمي الذي يتقدم فيه التحوط على العائد، في غياب أدوات فعالة للسياسة النقدية أو المالية أو أسواق عميقة لامتصاص الصدمات.

أسعار الذهب والفضة إذن لا تتحدث عن المعادن فقط، بل عن عالم فقد ثقته في العائد والوعود النقدية، وتطرح سؤالا استراتيجيًا: هل تونس قادرة على استثمار هذا الوضع لإعادة التفكير في نموذجها الاقتصادي وموقعها الائتماني؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115