ومع ذلك نصرّ على التصرّف كما لو أنّ ما يحدث تحت أقدامنا شأنٌ بعيد لا يعنينا، وأننا نقف على أرض ثابتة بمنأى عن تحوّلات تتراكم وتعيد تشكيل العالم من جذوره. نقف مؤجّلين التفاعل، ونراهن على الانتظار باعتباره خيارًا عقلانيًا يمنحنا هامش قرار يتلاءم مع ما تؤول إليه الأمور مستقبلًا.
هذا التصوّر القائم على الانتظار، الذي نستبطنه فيحدد سلوكنا وخياراتنا في مختلف القطاعات والمجالات، يتجاهل حقيقة أساسية: لحظات التصدّع الكبرى والتحوّلات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والجيوسياسية لا منطقة انتظار فيها. فهي مسارٌ إما أن تلتحق به بقرار واعٍ لتكون جزءًا من المستقبل، أو أن تقف على الهامش، عاجزًا عن تلافي المخاطر أو اغتنام الفرص.
وهو ما نقف على واقعه اليوم، في لحظة إقليمية ودولية تتسارع فيها التحوّلات الجيوسياسية، وتتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية مع الصراعات، والثورات التكنولوجية، وتبدّل أنماط الاستهلاك والعمل. تحوّلات تهزّ الأرض من تحت أقدام الجميع، وتكشف بوضوح من استشرف واستعدّ، ومن ظلّ يراقب صيرورة التاريخ من موقع المتفرّج.
هنا تتشكّل لحظة تاريخية تكشف عن أهمية الاستشراف بوصفه أداة مركزية في إدارة الدول، لا ترفًا فكريًا ولا تمرينًا معزولًا في فضاء أكاديمي. وهنا أيضًا يتّضح قصور التجربة التونسية، التي نكتشف عند تفحّصها مفارقة لافتة: حضور شكلي ومحدود للاستشراف في المؤسسات والخطاب، مقابل غياب شبه تام له في رسم السياسات العمومية وفي النقاش العمومي الواسع.
تونس التي راكمت في تاريخها الحديث تجارب معتبرة في مجال الاستشراف من زاوية التخطيط التنموي، خاصة منذ ستينات القرن الماضي، عبر إرساء مخططات تنموية عشرية وخماسية، وبناء جهاز إداري وتقني مخصّص لذلك، لم تكن تلك التجارب قائمة على قراءة معمّقة للاتجاهات الكبرى في العالم سياسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، ولا على بناء سيناريوهات متعددة لكيفية التعامل مع التحوّلات المحتملة.
قصورٌ بدأ مسار تجاوزه في نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة، حين برز خطاب الاستشراف رسميا، وتمّ إحداث المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، الذي أنيطت به مهمّة التفكير في القضايا الكبرى ذات الطابع الاستراتيجي: الأمن القومي، التحوّلات الجيوسياسية، مستقبل الاقتصاد العالمي، إضافة إلى رهانات الطاقة والغذاء. كما أُنجزت، في فترات متفرّقة، دراسات من قبيل “تونس 2030” و“آفاق التنمية”.
غير أنّ تتبّع أغلب الإنتاج الاستشرافي في تونس، سواء الصادر عن معهد الدراسات الاستراتيجية او مؤسسات اخرى خاصة او عامة، يكشف أنّ الاستشراف في البلاد طغى عليه الطابع التقني–الأكاديمي، حيث تنجز الدراسات لكنها تظلّ منفصلة عن دوائر القرار وعن النقاش العمومي، فلا تتحوّل إلى مادة للنقاش السياسي أو خيار مجتمعي، بل تبقى حبيسة الرفوف والتقارير، او في افضل الحالات توصيات.
كما ان جزء هام من الانتاج الاستشرافي، سواء الذي انجزته مؤسسات عمومية، او فرق تتبع لمنظمات المجتمع المدني، انها مرتبطة بالأزمات أو بطلبات المانحين، ما يجعل الاستشراف في كثير من الأحيان ردّ فعل لا أداة استباق، ومشروطا بأجندات خارجية أكثر من كونه منبثقًا من رؤية سيادية طويلة المدى تعيد تعريف موقع البلاد وخياراتها.
هذا بالاضافة الى غياب التكامل بين الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي والجيوسياسي، إذ غالبا ما ينظر الى القطاعات على انها جزر منفصلة، في حين أنّ التحوّلات الكبرى اليوم عابرة للقطاعات والحدود، ولا يمكن فهمها أو إدارتها عبر تجزئتها، وهو ما قاد الى ان الى غياب دراسات تربط بعمق بين التحوّل الرقمي العالمي، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة، وتغيّر أنماط الاستهلاك والعمل، وانعكاس ذلك على التشغيل أو على موقع البلاد في الفضاء المتوسطي والإفريقي.
وهو ما يكشف عن محدودية الأثر المؤسّساتي للاستشراف ان وجد، ولكن الأشد ثقلا هو غياب شبه كامل للاستشراف والتصورات في النقاش العمومي والنخبوي، ولا نطرح الأسئلة الكبرى من قبيل أي موقع تونس بعد عشرين سنة؟ كيف ستتموضع في إعادة تشكيل النظام الدولي؟ كيف ستتغيّر بنية المجتمع والعمل والاستهلاك؟ ونناقشها على ضوء ما توفره الدراسات والورقات الاستشرافية والبحثية من تصورات وخيارات.
وهو ما يرسخ انطباعا بان الاستشراف في تونس مفقود ومعه نهدر فرصة الفهم ونبقى أسرى لردّود الفعل ومنطقة الانتظار.
الوقوف على هامش التحولات الكبرى: تونس رهينة الانتظار
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 30/01/2026
- 29 عدد المشاهدات
تتصدّع الأرض تحت أقدامنا ومن حولنا