إذ عكس التحوّل العميق في الغرب من خلال الكشف عن أن طريقة توصيف الغرب للعالم ولذاته قد تغيّرت عمّا كانت عليه قبل المنتدى الاقتصادي. فبين الكلمات والعبارات الحذرة، تسرّب اعتراف معلن بأن السياق الدولي لم يعد كالسابق، وأن الدبلوماسية القديمة لم تعد قادرة على ستر التصدّعات المتراكمة، ولا على إنقاذ النظام الدولي من الانهيار.
ما حمله دافوس هو الإقرار بما كان يعلن منذ سنوات بصوت خافت أو متوارٍ في الخطاب الغربي الرسمي، الذي يتعامل مع الاضطرابات الجيوسياسية باعتبارها انحرافات مؤقتة داخل نظام دولي متماسك في جوهره. خطاب كان يسوّق إلى أن الأزمات السابقة خارجية، مردّها إما خطر القوى الصاعدة غير الغربية أو صراعات إقليمية، وأن هذه الأزمات الخارجية قابلة للاحتواء دون تأثير في النظام وتماسكه.
لكن ما شهده مؤتمر دافوس الحالي هو تغيير في خطاب قادة الدول الغربية، عكس انتقال الخطاب الرسمي من الإنكار الضمني إلى الاعتراف الصريح بأن الأزمة غربية بالأساس، وأنها ليست ظرفية، بل بنيوية، تمسّ قواعد النظام الدولي/الغربي ذاته وآليات عمله، في ظل سياسات أمريكية تعتمد على الإكراه والإخضاع حتى مع حلفائها الأوروبيين، والتلويح بالرسوم الجمركية كورقة ضغط لإجبارهم على الرضوخ للمطالب الأمريكية.
واقع جديد فرضته سياسات ترامب، دفعت بعض قادة العالم الغربي إلى قطع خطوات إضافية في الاعتراف، والقول إن العالم القديم قد انتهى فعليًا، وإن محاولة إدارة الواقع الجديد بعقلية ما قبل التحوّل لن تؤدي إلا إلى تداعيات سلبية على الدول الغربية، في إشارة إلى أن محاولة احتواء المطالب الأمريكية والمراهنة على عودة الأمور إلى نصابها عبر مناورات دبلوماسية ليست إلا ترسيخًا لواقع تصبح فيه الدول الغربية تابعة لا شريكة.
هذا الانتقال من الإنكار إلى الإقرار ليس مجرّد توصيف لوضع دولي، بل نقد للتحالف الغربي ذاته وللنظام الدولي الذي ترسّخ بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما تعلنه صراحة انتقادات رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس وزراء كندا، اللذين أعلنا رفضهما الوقوع في فخ «الحنين» إلى العالم القديم وقواعده، في مواجهة التحديات الراهنة التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب على العالم الغربي.
إذ إن السياسات الأمريكية مع العهدة الثانية للرئيس ترامب، ولّدت إدراكا لدى بقية قادة الدول الغربية بأنهم إزاء تغيير جذري في العلاقات الدولية، التي باتت تخضع لمنطق القوة صراحة، وهو ما يجعلهم يدركون أن محاولاتهم خلال الأشهر الفارطة إعادة إحياء الماضي والتذكير بقواعد التحالف الغربي والنظام الدولي لترميم الصدع ليست إلا أوهاما، وهي خطيرة عليهم لأنها تمثل عائقًا استراتيجيا، وجدارا يحول دون فهم الواقع اليوم، وهو أنهم إزاء عالم يحكمه التنافس والصراع، وتطبّق فيه ذات المعايير على الخصوم والحلفاء. مما يعني أن جزءا من قادة الدول الغربية باتوا يدعون صراحة إلى التخلي عن محاولة إنقاذ نظام دولي انهار فعليا، والمصالحة مع الواقع الجديد كخطوة في طريق البحث عن أفضل خيارات التعامل معه.
هذا التحوّل لا يتجلّى فقط في مضمون التصريحات، بل في نبرتها وموقعها داخل الخطاب. فحين يتحدث قادة أوروبيون عن ضرورة التخلّي عن الحنين إلى العلاقات الأطلسية كما كانت، أو عن عالم لم يعد قابلًا للإدارة بالأدوات القديمة، فإنهم يقرّون، ولو بحذر، بأن اليقين الاستراتيجي الذي حكم مرحلة ما بعد الحرب الباردة قد تآكل. لم يعد التحالف الغربي مسلّمة ثابتة، بل أصبح شراكة تفاوضية مفتوحة على الاختلال، تدار بمنطق القوة والمصلحة أكثر مما تؤطّر بالقيم والقواعد.
لكن رغم هذا الانتقال في الخطاب، لا يمكن الحديث عن قطيعة فكرية كاملة. ففي المؤتمر لم نشهد إعلان وفاة نموذج التحالف الغربي ولا النظام الدولي، في مفارقة تتمثل في الاعتراف بالتصدّع مع التشبّث بالعلاقات وفق ذات المرجعية، رغم الإدراك بأن الاختلال والأزمة ينبعان من داخل المنظومة الغربية نفسها، سواء تعلّق الأمر بتوترات عابرة للأطلسي، أو تضارب أولويات، أو عجز عن بلورة موقف موحّد تجاه قضايا كبرى، من الحرب إلى التجارة إلى الطاقة.
وهذا أبرز ما قدّمه لنا منتدى يُفترض أنه اقتصادي، ناقش خلال اليومين الفارطين المواقع والموارد والأقاليم والتحالفات الأمنية، وهو ما يعكس إدراكا متزايدا بأن مرحلة العولمة «المحايدة» قد انتهت، وأن الاقتصاد بات مرة أخرى أداة ضمن صراع النفوذ. لم تعد الأسواق منفصلة عن الأمن، ولا الاستثمارات عن التوازنات الاستراتيجية. إننا أمام إعادة مركزية للجغرافيا في زمن كان يُفترض أنه تجاوزها.
وهو ما يعني أن أوروبا، التي بدت في دافوس عالقة بين طموح الاستقلال وواقع الارتهان، ستكون مطالبة بحسم خيارها سريعًا قبل أن تتكبّد خسائر ثقيلة. فحينما تتحدث عن «السيادة الاستراتيجية» تلحق ذلك بالحديث عن تمسّكها بالمظلّة الأمنية الأمريكية، وربما كان ذلك ناتجا عن عجزها العملي عن فكّ الارتباط مع هذه المظلّة. وهذا يضعها في منطقة رمادية، أو وسطى، لا ترسّخ الاستقلالية ولا تضمن حماية كاملة، بل تكرّس حالة تفاوض دائم تستنزف قدرة القارة على اتخاذ القرار. وهذا هو حجم الارتباك الأوروبي.
الأكيد أن دافوس، وإن لم يعلن عن ميلاد نظام عالمي جديد، فقد كشف بوضوح عن تغيير في لغة توصيف العالم؛ أي إنه أعلن عن تغيّر الخطاب قبل السياسات، والاعتراف قبل الحسم. وهو ما قد يعني أننا أمام مرحلة انتقالية تسبق نهاية العالم القديم، تمنح دول الجنوب، ولا سيما دول شمال إفريقيا، فرصا غير مسبوقة في ظل تراجع اليقين الغربي، الذي يفتح مساحات أوسع للمناورة وإعادة التفاوض، لكنه أيضًا يعلن عن غياب القواعد الصلبة، وهو خطر قد يترجَم بضغوط مباشرة وأقل مأسسة.
هنا، تسير الفرصة والمخاطرة جنبا إلى جنب، في عالم لم يعد يدار بمنطق ثابت