الأيام الأخيرة حادثة طارئة أو قدرًا محتومًا، بل كانت حدثًا كاشفًا لاختلالات تراكمت بصمت، عرّاها تجاوز كميات الأمطار المسجلة في عدد من الجهات معدلات لم تُسجَّل منذ أكثر من خمسين سنة، وهي نسب لا يمكن اقتصار النظر إليها من زاوية «الاستثناء الطبيعي»، بل هي أقرب إلى مؤشر بنيوي على تحوّل مناخي بات جزءًا من الواقع لا استثناء.
مما يعني أن الأمطار لم تعد مجرد معطى جوي، بل اختبارًا سياسيًا ومؤسساتيًا لقدرة الدولة على الفهم والاستشراف، وعلى قدرتها على التدخل والمعالجة، وهو ما اتضح في نهج الدولة وسياساتها في معالجة الوضع وإدارة فائض المياه بعد سنوات الجفاف، والذي كشف عن خلل في إدارة الموارد والمخاطر، وعن غياب رؤية شاملة تنظر إلى المناخ كمتغير استراتيجي لا ظرفي، من خلال سيطرة منطق الطوارئ على سلوك الدولة.
إذ إن التحولات المناخية اليوم واقع تعيشه البلاد وليست احتمالًا نظريًا، مما كان يفترض أن تواجهه الدولة بالتخطيط والاستثمار وإعادة النظر في طريقة تصور الدولة لدورها ووظائفها الأساسية، وليس بالتعاطي مع تداعيات التغير المناخي كحدث عابر أو قدر محتوم.
وهو أبرز ما كشفته الأمطار من هشاشة، اتضح أنها لا تقتصر على اهتراء البنية التحتية، بل تمتد إلى منظومة كاملة من الخيارات والسياسات التي لم تكن مجدية أمام الفيضانات، وغرق الأحياء، وتعطل الطرقات والنقل العمومي، وشلل شبه كلي لمرافق الحياة اليومية للتونسيين، خاصة في الولايات الأكثر تضررًا.
وهذه ليست سوى أعراض مرئية لا يمكن أن تُختزل فقط في ضعف التخطيط العمراني، أو في اختلال توزيع الاستثمار العمومي، أو في غياب أي استعدادات وتجهيزات قادرة على مواجهة الصدمات. فالواقع الذي فضح تقادم الشبكات، وضعف الصيانة، وغياب التنسيق بين مختلف المتدخلين، كشف أيضًا أن عقل الدولة والمجتمع في حالة عطالة وتكاسل.
فبعيدًا عن الردود الانفعالية والتوصيفات التي طغت على الفضاء العام خلال الساعات الفارطة بحثًا عمّن يتحمل المسؤولية الآنية، فرضت الأمطار الأخيرة وما رافقها من حوادث فردية أو جماعية، على تونس والتونسيين اليوم أن يطرحوا سؤالًا مركزيًا يُسائل النموذج الذي أنتج هذه الهشاشة منذ البداية وأعاد إنتاجها خلال عقود.
فالتحدي الذي يُفرض اليوم على كافة التونسيين لا يقتصر على كيفية إدارة الفضاء العام والخلافات بينهم، بل على كيفية الاستعداد لسطوة الطبيعة وكوارثها طالما، وكيف يمكن أن نجعل من مدننا وقرانا مناطق آمنة يمكن أن يتواصل فيها العيش بنسق طبيعي، أو دونه بقليل، حينما نواجه أزمات مناخية قادمة.
هذا هو الرهان الذي لا يمكن أن نفوز به بذات الممارسات والسلوك الفردي أو الجماعي أو المؤسساتي السابق. فإن وقعنا في فخ الاقتصار على اتباع النهج القديم وطرح ذات الأسئلة التي هي مشروعة، ولكنها قاصرة عن تقديم حل جماعي لنا، من قبيل: من قصّر؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ فإننا نغفل عن الأسئلة الأهم، وهي: لماذا يتكرر تعثرنا في مجابهة الأزمة الكبرى؟ ولماذا تبدو الدولة دائمًا في موقع ردّ الفعل لا في موقع الفعل الاستباقي؟
فالخطر في هذا السياق ليس ما انكشف بفعل الأمطار من هشاشة البنية التحتية ومنظماتنا العمومية المتنوعة، بل في أن نعود إلى سابق عهدنا، وألا نقرن هذه الصدمة المناخية بخطوة سياسية استراتيجية تقوم على تفكيك شامل لكل المنظومات التي ظهرت محدوديتها، من التخطيط إلى الحوكمة، ومن آليات اتخاذ القرار إلى تحديد الأولويات.
تفكيك يهدف إلى فهم الصورة كاملة، والأهم القطع مع عقلية هيمنت على البلاد، وهي النظر إلى البنية التحتية كملف تقني معزول لا كجزء من رؤية تنموية وسياسية شاملة تضع في عين الاعتبار واقعنا المناخي الجديد ومخاطره. فالأزمة اليوم لا يجب أن تُختزل في قنوات صرف مسدودة أو طرقات متهالكة، بل هي قضية كيف تتصور الدولة نفسها، وكيف تتمثل علاقتها بالمجال وبالمواطن.
وهو ما قد يجعل من الأمطار التي هطلت بكميات استثنائية خلال اليومين الفارطين منطلقًا لسؤال سياسي بامتياز اليوم: هل نمتلك رفاهية الزمن للنقاش حول ما إذا كان من الضروري أن تمتلك البلاد مشروعًا أو تصورًا استراتيجيًا، والحال أنه يفرض علينا قسرًا أن نمتلك هذا المشروع، وأن نحول الأزمات إلى فرص لإعادة بناء البلاد ومنظوماتها وبنيتها التحتية؟
هذا هو خيارنا الوحيد إن أردنا أن نغادر منطق إدارة اليومي عبر البحث وإيجاد حلول جزئية أو إجراءات استعجالية لمواجهة أزمة هنا أو هناك، وهو نهج يستنزف حاضرنا ومستقبلنا في آن واحد، ولا خلاص منه إلا بمشروع وطني جامع يعيد ترتيب الأولويات، ويربط بين المناخ، والتنمية، والعدالة المجالية، والاستثمار العمومي طويل المدى.
فرهان ما بعد انحسار مياه الأمطار وعودة الحياة تدريجيًا إلى نسقها المعتاد هو في ألا ننسى أن الخطر قائم ولم يغادرنا، وأن الأزمة بدورها قائمة. فكل ما مُنح لنا هو الوقت لنستعد، ولتحقيق ذلك يجب أولًا ألا نعتبر ما جرى أزمة عابرة، بل لحظة تأسيسية لمسار سياسي وتنموي جديد للبلاد، لحظة تتفكك فيها المسلّمات، ويُعاد فيها البناء على أساس رؤية واضحة للمستقبل، لا مجرد إدارة مرتبكة للحاضر.
هذا هو السؤال الأهم لنا اليوم كتونسيين، ويجب أن نحسن الإجابة عنه لنحسن حماية المستقبل.