غيرنلاند تهدد بتفكيك التحالف الأوروبي الأمريكي: انهيار الهيمنة الغربية؟

في عالمنا اليوم يتجلى بوضوح أن التحولات الكبرى

لا تنبثق بين ليلة وضحاها، بل تتشكل عبر مسارات متأنية وبطيئة، تتراكب فيها الأحداث والقرارات والتفاعلات على نحو تدريجي. كل حدث أو خطوة، مهما بدت ضئيلة في لحظتها، تحمل في جوهرها التغيير الذي يتم عبر تراكمات لا يحققها حدث بمفرده. وهذا ما يجب الانتباه له اليوم في تتبع التطورات الدولية والإقليمية التي لا يمكن فهمها إلا بالملاحظة الدقيقة لكل ما يحدث من حولنا في كافة المجالات، فالتغيير ليس مفاجأة بل نتيجة تراكمية متواصلة من الفعل والتفاعل، ونحن اليوم أمام أحد هذه الأحداث التي تقربنا خطوة من عالم الغد الذي لا يمكن استضاح ملامحه دون تفكيك ما يحدث في عالمنا الراهن.

وغرينلاند هي إحدى أهم المحطات التي يجب الوقوف عندها في مسار التفكيك، ولكنها ليست الوحيدة ولا الأهم، إذ إن ما تعيشه الجزيرة القطبية من تطورات انتقل بها من ملف جغرافي وسيادي إلى أن تكون في قلب لحظة مفصلية تبين عمق التحولات الجارية داخل التحالف الغربي، الذي بات يُدار اليوم داخليًا بمنطق الريبة وتضارب المصالح، لا بمنطق التنسيق والقيادة المشتركة. وهو ما تجلّى بوضوح في تطورات الأيام القليلة الماضية التي شهدت وصول قوات أوروبية إلى غرينلاند، بهدف تثبيت واقع سيادي مفاده أن الجزيرة ستظل أوروبية، وأن القارة والاتحاد يقفان في صف الدنمارك، وما عقب هذه الخطوة من مواقف أميركية أو تصريحات للمتحدثة باسم البيت الأبيض التي حملت نوعًا من الاستخفاف وقللت من أثر هذه الخطوة بالقول إنها لن تغيّر شيئًا، في ظل تمسك إدارة ترامب بضم الجزيرة القطبية إلى الأراضي الأميركية.

تمسك شدد عليه الرئيس الأميركي يوم الجمعة الفارط حينما لوّح بأنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي تعارض أو لا تؤيد ضم الولايات المتحدة لجزيرة غرينلاند، مبررًا ذلك بأن الجزيرة مهمة جدًا للأمن القومي الأميركي. ليصعد بذلك حدة التوترات بين إدارته وقوى أوروبية باتت مهددة صراحة برسوم جمركية جديدة إن لم تدعم الخطة الأميركية بشأن غرينلاند.

هذا التطور الحدثي، في رمزيته وتوقيته، جدير بالاهتمام في ظل سياق عالمي يستمع ويقرأ عدداً متزايداً من التحليلات والدراسات التي تلتقي عند فكرة مركزية مفادها أن الهيمنة الغربية، كما تشكّلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تعد قائمة، لا بوصفها قدرة على قيادة النظام الدولي أو على فرض نموذج غربي/كوني جامع، بل تذهب أبعد من ذلك إلى الإشارة إلى أن التحالف الغربي، وفي سياق أفوله، تصدّع وانقسم.

أي أن عالم الغد لا تقتصر تحولاتاته على صعود قوى جديدة أو في تعدد الأقطاب، بل تبرز أكثر في سلوك الغرب نفسه، وفي التحولات التي أصابت تحالفه الداخلي، والتي تعكس ضمنيًا ما يعتبره إيمانويل تود بـ«الجنون الاستراتيجي»، الذي يصبح سمة القوى الكبرى التي تدخل مرحلة التراجع لكنها تنكر ذلك، مما يجعل أزمتها ليست التراجع بل الإنكار، الذي ينتقل بها من فضاء الفعل الاستراتيجي إلى فضاءات ردود الفعل القسرية والمتسرعة.

وهو ما ينعكس في النهاية على فقدان الغرب مركزه، وانتقال الصراع والتنافس إلى بيته الداخلي، إذ إن الصراع بات في التحالف الغربي نفسه الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية اليوم بمنطق الإكراه والفرض، وهو ما باتت عليه العلاقات الأميركية–الأوروبية في ظل إدارة دونالد ترامب، التي أعادت تشكيل الاستراتيجية الأميركية تجاه النظام الدولي وموقع أميركا فيه.

هذا الموقع اهتز منذ نشوب الحرب الروسية–الأوكرانية، وما مثلته من لحظة كشف أن الغرب بقيادة أميركا فقد قدرته على حشد العالم خلفه، وأن شرعيته السردية والأخلاقية لم تعد محل إجماع دولي، بل باتت موضع تساؤل وشك، تصاعدت حدته مع حرب الإبادة الصهيونية ضد الفلسطينيين في غزة وما فرضته من أزمة ازدواجية المعايير والقيم، وما تلا ذلك من تطورات سياسية واقتصادية وتجارية وحرب تكنولوجية، كشف أن الغرب لا يقبل بتراجعه وبداية أفول هيمنته على النظام الدولي بإعادة تفكير استراتيجية هادئة، بل بسلسلة من ردود الفعل العنيفة التي تضمنت تصعيداً أمنياً وتوسيعاً للمواجهات وتحويل الأزمات الإقليمية إلى اختبارات قوة شاملة. وهذا ما يقول عنه المؤرخ الفرنسي الذي تنبأ بانهيار الاتحاد السوفياتي، إيمانويل تود، إن له حضوراً في التاريخ؛ فهذا الانتقال من الفعل الاستراتيجي إلى ردود الفعل هو سلوك تاريخي يلازم القوى التي تدرك تراجعها لكنها ترفض الاعتراف به. وتلك هي أزمة الغرب اليوم، إنكار أفول هيمنته على النظام الدولي.

إن الإنكار قاد التحالف الغربي اليوم إلى التفكك، إذ لم يعد الغرب كتلة متماسكة لها استراتيجية موحدة، بل كيانات متصارعة فيما بينها، وهو ما تبينه السياسات الاقتصادية والجيواستراتيجية الأميركية، خاصة في ظل مقولة «أميركا أولًا»، التي انعكست في سلوك الولايات المتحدة، إذ انتقلت من قائد للتحالف الغربي إلى قوة تسعى إلى حماية موقعها في النظام الدولي على حساب شركائها الأوروبيين. وقد برز ذلك بوضوح في التوترات التجارية، وفي أزمة غرينلاند التي لم تعد مجرد خلاف جغرافي، بل مؤشرًا على انتقال الصراع من خارج المعسكر الغربي إلى داخله، بما يعكس تصدّع الثقة بين ضفتي الأطلسي.

وإن كان هذا الوضع لا يفرض ظاهريًا أي رهان على دول مثل تونس، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في أن يتجاوز هذا التحول إطاره الأوروبي–الأطلسي ويمتد إلى مناطق جديدة، من بينها منطقة شمال إفريقيا التي تمثل مجالاً حيويًا، هو تاريخيًا تحت النفوذ الغربي، لكن ضمن ترتيبات تجلعه مجالاً يخضع للأولويات الأوروبية.

هنا قد يؤدي انهيار الهيمنة الغربية لا فقط إلى بروز لاعبين جدد في هذا المجال الحيوي، بل إلى أن تصبح منطقة المتوسط وشمال إفريقيا مجالًا لصراع جديد يفرضه التفكك الداخلي للتحالف الغربي، أي أن تصبح المنطقة في المستقبل القريب أو المتوسط مركزًا جديدًا للصراع الغربي الداخلي. الفضاء المتوسطي–الأطلسي لم يكن تاريخيًا مجرد مجال جغرافي للتبادل التجاري، بل كان امتدادًا للهيمنة الغربية، حيث كانت أوروبا تؤدي دور الواجهة السياسية والاقتصادية، فيما تضطلع الولايات المتحدة بضمانات الأمن والطاقة والاستقرار الاستراتيجي.

باهتزاز هذا التوازن، قد لا تعد سياسات الغرب تجاه منطقة شمال إفريقيا نتاج رؤية موحّدة، بل انعكاسًا لتنافس خفي بين مقاربات أميركية وأوروبية متباينة، وهو ما يفتح نافذة لدول المنطقة لإعادة التفاوض والتموضع في المشهد المتوسطي والدولي، والبحث عن شراكات جديدة والاستفادة قدر الإمكان من الفرص التي قد تتاح، وتونس معنية بهذا

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115