محطة تقييم جزئية لحراك المعارضة: استمرارية بلا أفق أم بداية لتراكم سياسي؟

شهدت العاصمة التونسية، يوم السبت الفارط، مسيرة احتجاجية

حملت شعار «الظلم مؤذن بالثورة»، شارك فيها مئات المواطنين من نشطاء سياسيين وحقوقيين، وشباب، وممثلين عن قوى معارضة ومنظمات من المجتمع المدني، رفع خلالها المشاركون لافتات ورددوا شعارات تندد بما وصفوه بسياسات القمع والتضييق على الرأي المخالف.

لتترك المسيرة وراءها أسئلة لم يجب عنها بعد، ليس فقط بسبب الجدل الذي أثارته داخل صفوف المعارضة نفسها، بل لأنها جزء من سياق أوسع يظهر حراكا داخل المعارضات، مما يجعل المسيرة الأخيرة محطة تقييم جزئية مهمة، حتى وإن لم تكن الأكبر أو الأهم. والسؤال المركزي هنا لا يتعلق بان كانت المسيرة ناجحة؟ بل بهل غيّرت شيئاً في ميزان القوى، وهل رسمت طريقاً واضحاً للمستقبل؟.

هنا يبرز اول عنصر في التقييم، وهو ان المسيرة كشفت عن استمرارية في حراك داخل المعارضة، التي نجحت في في إثبات استمرارها وصمودها رغم الضغوط والسياق السياسي العام الذي تواجهه بقدرة على الحشد المحدود ولكنه منضبط يحفظ لها دورها الراهن وهو ان تكون صوت احتجاجيا يعبر عن ضمير شريحة من المجتمع التونسي في محاولة للاستفادة القصوى من كون الشارع هو اليوم اخر الفضاءات المتاحة امام المعارضة التي تمارس فيه السياسة كفعل من خلال تعبير جماعي عن الرفض.

لكن هذه الاستمراراية باتت اليوم تفرض سؤال ان كان ذالك كافيا؟ فالنزول للشارع باعتباره اخر فضاء مفتوح للفعل السياسي وان كان في بدايته اليوم ولا يمكن الحسم بشأنه نتائجه، إلا ان المؤشرات الأولية تكشف ان هذا الخيار لم يقد الى تحول الشارع إلى قوة ضغط وهو ما قد يؤدي في ظل غياب الأفق الواضح الى جعل المسيرات تتحول إلى طقوس احتجاجي متوقع أكثر من كونه أدات تغيير.

وما قد يؤدي الى هذا هو ان تصبح المسيرات بذاتها واستمرارية نزول المحتجين في الشارع هدفاً دائماً بدل أن تكون أداة ضغط ،وهو ما يجعلها متوقعة غير مربكة ومستانسه من قبل الشارع والسلطة نفسها، تنحصر تدريجيا في كونها تعبيرا احتجاجي أخلاقي متكرر بنفس الشكل والمضمون، غير قادر على حشد فئات واسعة من التونسيين خلف مطالب رغم نبلها و اهميتها الا انها لا تولد حركية. ليس لخوف انتشر او الاحباط عم بل لانها تقع في الاعتياد.

فالشارع لا ينزل فقط ليحتج ضد الظلم، بل يريد أن يعرف ماذا سيتغير ، واستمرار غياب الإجابات عن هذا السؤال يضعف مصداقية الحراك وتدريجيا سيرهق الأنصار ويدفع باتجاه إضعاف حافز الانخراط والمشاركة من عموم التونسيين سواء من هم في العاصمة ومدن تونس الكبرى او من هم خارجها، وهذه هي النقطة الثانية التي تبرز في تقييم حراك المعارضات المنطلق منذ نوفمبر الفارط.

فهذا الحراك الحراك لا يزال مركّزا في العاصمة، بذات المسارات تقريبا وبذات الخطاب، بل وبذات المجموعات المحتجة، وهذا قد يكشف عن «نخبوية» التحركات الاحتجاجية رغم ما يمكن القول للدفاع عن ذلك من انه «ضرورة» فرضت لعدة عوامل من بينها تنظيمية، وان نوعية الحشد في لحظات سياسية معينة لا ينظر اليه من زاوية النوعية والكم بل من زاوية الحفاظ على نواة صلبة تبقى صامدة قادرة على منع الهيمنة الكلية على الشارع.

غير ان هذه الحجج ذاتها هي ما تكشف عن سيادة هذا التوجه النخبوي الممركز في العاصمة ليرسخ نمط دائم وليس ظرفي، مما يفقد الفعل السياسي اي قدرة على التمثيل الاجتماعي والقدرة على الحشد الفعلي خلف مطالب أوسع تنطلق من فضاءات اجتماعية مختلفة ومتعددة، ولكن الاخطر انه يكشف عن ان المعارضات تنتظر ان يلتحق بها الشارع والناس عوضا عن ان تتوجه هي اليهم.

وهو ما يكشف عن نقطة ثالثة في تقييم المسيرة والحراك من خلفها، وهو الطهورية والبحث عن النقاء الثوري والديمقراطي، في الاخر، سواء كان ذلك الآخر هو عموم التونسيين أفراد ومجموعات او بقية الطيف السياسي من أحزاب وتنظيمات تعارض السلطة الراهنة ومسارها.

طهورية كشفتها نقاشات احداث سابقة عن مسيرة السبت الفارط التي أكدت الامر فقط، عبر لافتة حملت صورة تجمع بين رئيس الجمهورية قيس سعيد والرئيس السابق زين العابدين بن علي، التي دفعت الى نقاش عن الرمز والرمزية بخطاب غاضب كشف ان الذاكرة الجماعية لم تسحم بعد صورة بن علي ولم تحسم بعد امرها في ما يمكن اعتباره «ذاكرة الاستبداد» والتي يمكن تبسيطها بالقول ان جزء واسع من التونسيين يختلف في رؤيته للماضي عن النخبة، فهو لا يعالج الماضي من منطلق حقوقي سياسي يدين القمع والظلم بل من تجربة شخصية تنطلق من مفاضلة بين وضعه في السابق واليوم.

وهذا النقاش عن الذاكرة أهميته تتمثل في انه كشف عن استجابات مختلفة وفق الموقع من النظام السابق وفق الرموز ودلالاتها، وأهميتها السياسية تكمن في الاشارة بوضوح الى ان الحراك اعاد احياء معركة الطهرانية الديمقراطية بين جزء من المعارضة تدين نظام بن علي وجزء اخر ينتسب إليها ويدافع عنها، وكلى الطرفين اليوم يقفان على ذات المسافة من السلطة وينتقدنها بذات الخطاب.

وهو ما غذّى الخطاب الطهوري المدافع عن النقاء الثوري والديمقراطي لتجميع المعارضات وتوحيد جهودها، من منطلق ان من لا يحترم الديمقراطية ولا يدين الانتهاكات السابقة لا يمكن العمل معه او التقارب منه، في ترسيخ لكون السياسة فعل أخلاقي طهوري وليست إدارة الممكن والضروري.

فالكشف عن ان جزء من المعارضة يرفض أي شريك محتمل بسبب عدم كماله الديمقراطي، لا يشير الى ان المسار ليزال بعيد عن تكوين جبهة عمل مشترك واسعة، بل يكشف ان المعارضات لتزال منفصلة عن الواقع السياسي مما يعرضها الى العزلة عن ما تبقي من قوى سياسية وتحول دون اي تقارب يمكنه ان يمنح الحراك زخما يقربه من فئة واسعة من التونسيين تقبع في هوامش الصمت.

لكن الطهرانية التي يحتمي بها ضمير جزء من المعارضات اليوم لا تمثل فقط مكبل امام اي امكانية للفعل السياسي، بل تكشف عن ان الشارع وفق هذه الطهرانية بات هويّة لا اداة سياسية، وان اي افق مستقبلي بات بعيد المنال، فوق هذا التصور لا يمكن العمل المشترك الا اذ توفر برنامج مشترك بين متماثلين متشابهين لا بين قوى متعددة مختلفة يمكنها تمثيل شرائح واسعة من التونسيين وبالتالي توفير شروط دنيا للتعبئة والانتشار المجالي.

وهو ما يبين ان الحراك لم يقترب بعد من رسم اتجاهه نهيك عن الكشف عنه، وما يهدده ان يستمر هذا الأمر فيحول دون البحث عن مشروع الحد الادنى وترتيب الأولويات وتحديد المراحل، اي الإجابة عن سؤال ماذا بعد ؟ والذي يفترض أن تبحث فيه مكونات هذا الحراك عن إجابات لسؤال كيف ننزل للشارع؟ ولماذا؟ ومتى؟ ومع من؟.

فما يطرح اليوم وان كان بشكل محتشم على هذا الحراك هو ما بعد الفعل الاحتجاجي الذي سيصل عاجلا ام اجلا الى حدوده القصوى، وسيصبح حدثا متوقعا لا رهان فيه، سواء لهم ام للسلطة او الشارع؟ فرغم ان الحراك منذ بدايتة او في مسيرة يوم السبت الفارط، كشف اننا إزاء مبادرة سياسية في مرحلة التراكم أكثر من كونها مسار للتغيير السياسي.

الا انه فرض تحدي أكبر امام مكونات هذا الحراك يكمن في التحول من الرمزية والطهرانية إلى فعل سياسي بأدوات عملية، قادرة على توسيع قاعدة الدعم، وإعطاء الحراك أفقاً وطنياً بعيد المدى، قبل أن تتحول المسيرات إلى طقوس احتجاجية متوقعة تفقد تأثيرها الرمزي والفعل السياسي الفعلي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115