الإعلام العمومي: مشاغل المواطن أم أولويات السلطة؟

في اللقاء الأخير بقصر قرطاج مع القائمين على

مؤسسات الإعلام العمومي، تحدّث رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن الدور والوظيفة والمعنى في الإعلام، انطلاقا من سرد تاريخي لا يبدو أنّ المقصود منه مجرّد التذكير، بقدر ما هو تمهيد لإعادة الضبط وتثبيت إطار ذهني يفهم من خلاله دور الإعلام اليوم في تونس، بوصفه أداة في حرب التحرير ومعاركها، لا فضاء لنقاش تعدّدي او منصة لمساءلة السياسات العمومية.

اذ أعاد البلاغ الرسمي الصادر عن رئاسة الجمهورية يوم أمس تقديم صورة واضحة لهذه المقاربة، بخطاب يطالب الإعلام العمومي بأن يكون في خدمة المواطن، والتعبير عن مشاغله اليومية، وتوفير المعلومة الشفافة، والانحياز للصالح العام. وهي عبارات، لو نزعت عن سياقها العام، محلّ إجماع، وتلبّي في ظاهرها مطالب أهل القطاع والجمهور على حدّ سواء.

غير أنّ خلف هذه العبارات يتشكّل تصوّر للسلطة للإعلام لا يمكن فهمه دون قراءة سياقه العام وهو حرب التحرير التي تقودها السلطة، فالكلمات أو المصطلحات التي لا خلاف بشأنها، لا يمكن التعامل معها بمعزل عن الجهة التي تنطق بها. فهي هنا لا تحمل معنى واحدًا ثابتا، بل معنى يعاد تشكيله وتعريفه وتوجيه فهمه من قبل سلطة تقود مسارًا انتقاليًا في قطاع الإعلام، يهدف إلى تحويله إلى وظيفة في خدمة سرديتها، لا سلطة رقابية تسائلها.

هذا الانتقال أعاد بلاغ الرئاسة الصادر مطلع هذا الأسبوع التذكير به، بعد أن سبق الإعلان عنه في بلاغات وتصريحات سابقة، ليؤكّد رؤية السلطة للمشهد الإعلامي ولدور المؤسسات العمومية فيه، رؤية لا تكتفي بإعادة ضبط الدور الوظيفي للإعلام، بل تذهب إلى تحديد الأطر التحريرية والأولويات. وهنا تقدَّم “خدمة المواطن” كإحدى المهام المركزية للإعلام، لكن ليس بوصفها خدمة عمومية تقوم على علاقة تعاقدية ضمنية بين الوسيلة الإعلامية والجمهور، بل باعتبارها تكليفًا من السلطة.

وإن كان ظاهر الأمر قد لا يبرز الفارق بين الأمرين، فإنّ الفرق الجوهري بينهما شاسع. فحين تُكلّف السلطة الإعلام بمهمّة خدمة المواطنين، فهي في الآن نفسه ترسم له الحدود والسقف، وهو سقف سرديتها وأولوياتها السياسية. أي أنّ الخطاب الرسمي، الذي قد يوحي بدفع الإعلام إلى خدمة الجمهور، لا يقرّ بمبدأ حقّ هذا الجمهور في المعرفة وطرح السؤال، بل يتعامل معه كمتلقٍّ سلبي، يُكلَّف الإعلام العمومي بنقل الرسائل والخطاب السياسي إليه، دون معالجة صحفية أو إعلامية تُخضع هذا الخطاب للمساءلة أو التقييم.

وهو ما يعني، عمليًا، أنّ الدور الوظيفي الجديد للإعلام العمومي لا يعالج مشاغل المواطنين ضمن إطار يسمح بنقاش عمومي حول السياسات أو المسؤوليات أو الخيارات، بل قد ينحصر في تناول وصفي لبعض القضايا، تجرّد من بعدها السياسي. فيصبح حضور المواطن ومشاغله مجرّد عرض لحالات معاناة فردية لا حضور طرف فاعل يسائل خيارات السلطة، ويقيّمها، ويطرح الأسئلة التي تُقلق.

ولتوضيح ذلك، يكفي خوض تمرين ذهني نتخيّل من خلاله كيفية معالجة ملف غلاء الأسعار أو ضعف المقدرة الشرائية في مقاربات إعلامية مختلفة. ففي المقاربة الكلاسيكية، التي تدرَّس في معهد الصحافة ويدرّب عليها الصحفيون داخل مؤسساتهم، يعالج غلاء الأسعار في سياق وطني شامل، يسعى إلى تفكيك الملف، وتحديد المسؤوليات، وتقييم السياسات العمومية، ومساءلة المسؤولين. أمّا في مقاربة الوظيفة، التي تقتصر على النقل الوصفي، فإنّ المعالجة تتحوّل إلى عرض حالات فردية، وإبراز المعاناة من زاوية إنسانية، تنزع فيها عن الملف أبعاده السياسية. وإن لم تُنزع، فإنّ الإعلام يصبح مجرّد ناقل لوعود السلطة وتصريحات المسؤولين وسرديتهم، لا جهة تسائلهم باسم الجمهور عن غياب السياسات العمومية أو تعثّرها في معالجة الواقع اليومي للتونسيين.

ولا يختلف الأمر كثيرًا في ما يتعلّق بالمهمّة الثانية التي رسمتها السلطة للإعلام، وهي خدمة “الصالح العام”، دون تقديم تعريف واضح أو محدّد لهذا المفهوم، الذي قد يتغيّر معناه وفق ما تراه السلطة في كلّ مرحلة. فيتحوّل الصالح العام إلى متغيّر يُضبط بحسب اللحظة السياسية، واللحظة الراهنة، وفق الخطاب الرسمي، هي لحظة تفويض شعبي.

هنا لا يقتصر الأمر على سحب الإعلام العمومي من أحد أدواره الأساسية، أي أن يكون فضاءً للنقاش العمومي ومساحة لإدارة الاختلاف حول معنى الصالح العام نفسه أو حول القضايا المجتمعية الكبرى، بل يتجاوز ذلك إلى التلميح بأنّ الدور الوظيفي الذي كُلّف به الإعلام، والمتمثّل في لعب دور ناقل الرسالة ومضخّم الصوت أحادي الاتجاه من السلطة إلى الشعب، يُقدَّم بوصفه استجابة لإرادة شعبية وتفويضا بخوض معركة تحرير، لا يعلو فيها نقاش أو ملف، ولا يسمح فيها بالخروج عن “الإجماع”.

والمفارقة أنّ عملية إعادة الضبط وترتيب أولويات الإعلام العمومي من قبل السلطة تتمّ في واقع بات فيه الإعلام العمومي والخاص، على حدّ سواء، محدود المبادرة، قليل الجرأة، يتجنّب فتح النقاشات العمومية أو تفكيك الأحداث وشرحها، لا لافتقاره إلى الكفاءات، بل لأنّه يعمل داخل أفق وظيفي يطالبه بأن يكون قناة لنقل الخطاب الرسمي، دون أن يشرح أو يربط بين الوقائع والقرارات، أو يفتح المجال للاختلاف.

هذا التصوّر، الذي يعامل الجمهور بوصفه متلقّيًا سلبيا للخطاب، لا متلقّيا قادرا على الفهم والحكم وبناء المواقف، تسوّقه السلطة على أنّه تجاوز لـ“عديد المفاهيم التي صارت بالية”، وفق ما جاء في البلاغ، دون تقديم مثال عمّا هو بال، أو توضيح لما يراد تجاوزه، لا للجمهور، ولا حتى للقائمين على الإعلام العمومي أنفسهم، الذين يجدون اليوم أنفسهم أمام سؤال بلا إجابة واضحة: ماذا تريد السلطة منهم؟

هل المطلوب هو الاستمرار في دورهم الوظيفي الحالي، كقناة عمودية تكتفي بنقل الخطاب الرسمي، وترافق السياسات العمومية وخيارات السلطة؟ أم أنّ هناك دورا آخر يراد لهم، في سياق التذكير بدور الإعلام في معركة التحرّر، يؤسّس لتصوّر وظيفي جديد للإعلام لم يفصح عنه صراحة، لكن يلمّح إليه عبر مفردات القرب من مشاغل المواطنين، وخدمة الصالح العام، وخوض معركة التحرير، والاستجابة للتفويض الشعبي، أي اندماج الإعلام كليا في المشروع السياسي للسلطة؟

فخطاب السلطة هنا ليس مجرّد كلمات يمكن الوقوف عند ظاهرها أو عند ما قيل فيها صراحة، بل هو خطاب حدد فيه ما المراد أن يفهم، و ما يراد أن يبقى خارج الفهم. فالكلمات هنا لا تُستعمل لوصف الواقع فقط، بل لإعادة ترتيبه ومن هنا فإنّ السؤال لا يتعلّق بما تقوله السلطة عن الإعلام العمومي، بل بما تريده له، وبما تريده منه، اي ما يسمح له أن ينقله وما يمنع عنه وعن نقله للجمهور.

خطر هذا التصور الذي يسوق على انه في خدمة التونسيين وتعبير عن مشاغلهم، هو انه يكشف جليا عن توجه السلطة الى اخضاع الاعلام كليا والهيمنة عليه وتوظيفه لإخضاع الفضاء العمومي سردية واحدة، تعيد صياغة الواقع وفهم الحقيقة

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115