كما في الحالة الفنزويلية، مجرد واقعة أمنية ملتبسة أو حلقة إضافية في صراع سياسي بين واشنطن وكاراكاس. ما نحن بصدده هو انقلاب صامت في منطق النظام الدولي نفسه، لحظة تنتقل فيها الدولة من كونها وحدة سياسية محصّنة بالقانون الدولي، إلى كيان هشّ يمكن التعامل معه بوصفه جسما قابلا للإخضاع أو الإزالة. وقد كشفت تصريحات دونالد ترامب، التي تحدّث فيها عن “إدارة فنزويلا ومواردها”، هذا التحول بوضوح فجّ دون اخفاء نزعة السيطرة والهيمنة خلف لغة المؤسسات أو الشرعية الدولية.
اذ لا تكمن خطورة اقتياد الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته من مقر إقامتهما في كراكاس على يد قوات عسكرية أميركية في كونه سابقة تاريخية، فالولايات المتحدة نفّذت، على امتداد عقود، عمليات مشابهة خارج حدودها، وبعضها طال قادة دول أو أنظمة حكم. كما لا تكمن الخطورة في المشهدية ذاتها، ولا في رمزية ظهور رئيس دولة مقيّداً في شوارع مدينة أميركية. إن جوهر الخطورة يكمن في أمر آخر أكثر عمقا، وهو أن هذه الحادثة، بكل ما تحمله من انتهاك، باتت قابلة للتخيّل داخل العقل الاستراتيجي الدولي، وقابلة للطرح والتداول بوصفها خياراً سياسياً ممكناً، لا محرّماً مطلقاً.
فحين يصبح اختطاف رئيس دولة وزوجته، والتلويح بإدارة أجنبية لدولة مستقلة ذات سيادة، سيناريو متداولاً في الخطاب السياسي والإعلامي، فإن السيادة تكفّ عن كونها مفهوماً قانونياً ثابتاً، وتتحول إلى حالة ظرفية تُمنح وتُسحب وفق ميزان القوة. وهو تحول لا يهدد دولة بعينها، بل ينسف الأسس التي قام عليها البناء الأممي وتوافقات ما بعد الحرب العالمية الثانية، تلك التوافقات التي سعت – ولو شكلياً – إلى إدارة الصراعات بين الدول عبر مؤسسات دولية، وضبط استخدام القوة من خلال قواعد قانونية وحدود واضحة للتدخل العسكري.
فمنذ نهاية الحرب الباردة، وسقوط جدار برلين، عملت الإدارات الأميركية المتعاقبة على إدارة صراعاتها الدولية ضمن هذا الإطار، رغم ما شابه من انتقائية وازدواجية. فقد جرى التخلي التدريجي عن منطق “مبدأ مونرو” بصيغته التقليدية، لصالح إدارة العلاقات الدولية من خلال المؤسسات الأممية والتحالف الغربي، أو خارجها عند الضرورة، لكن ضمن سقف غير مكتوب تمثّل في العقوبات الاقتصادية، والحصار، والعزل الدبلوماسي، ودعم المعارضات الداخلية، بل وحتى التدخل العسكري المباشر كما في العراق أو أفغانستان. ومع ذلك، ظل هناك توافق ضمني على أن الدولة – مهما كانت مارقة أو غير مرغوب فيها من المنظور الأميركي الغربي – تبقى كيانا قائما، وأن رأس النظام ورمز الدولة لا يختزل ليصبح هدفا أمنيا يقتاد خارج بلاده ويحاكم على أراضي دولة أخرى.
ما نشهده اليوم هو انتقال نوعي إلى منطق مختلف تماما، منطق الاستهداف الجسدي لرئيس الدولة بوصفه إعلانا صريحا عن قطيعة مع القواعد التي نظّمت العلاقات الدولية خلال العقود الثلاثة الماضية. هنا لم يعد الصراع يدور حول سياسات، أو تحالفات، أو خيارات اقتصادية، بل حول حق الوجود السياسي ذاته. الدولة لم تعد طرفاً في نزاع، بل أصبحت موضوعاً للإزالة أو لإعادة الهندسة القسرية.
هذه ليست عودة بسيطة إلى منطق الانقلابات، بل ارتداد أعمق إلى ما قبل الدولة الحديثة. وفي هذا الارتداد تكمن أخطر دلالات اللحظة الراهنة: عالم يتراجع فيه القانون أمام القوة، وتتحول فيه السيادة من مبدأ منظم للنظام الدولي إلى امتياز تمنحه القوى الكبرى وتنتزعه متى شاءت. ولم يعد ثمة حاجة، في هذا السياق الجديد، لتقديم حجج قانونية أو أخلاقية لتبرير التدخل العسكري وانتهاك المواثيق الدولية، كما كان سائداً في مراحل سابقة؛ إذ تكشف الإدارة الأميركية الحالية، دون مواربة، أن القوة هي المحدد النهائي للسلوك الدولي، لا القانون ولا الشرعية.
هذا الإعلان الأميركي عن استئناف “عصر القوة”، والتلويح بإمكانية تكرار السيناريو ذاته مع رؤساء دول أخرى وإسقاط أنظمة حكم قائمة، يطرح سؤالاً ليس أخلاقياً بل بنيوياً: ما الذي تبقّى من سيادة الدول؟ وماذا تمثّل المؤسسات الدولية إذا كانت عاجزة عن ردع هذا النوع من السلوك؟ وهل ما زالت هذه المؤسسات تؤدي وظيفة تنظيمية، أم تحولت إلى أطر شكلية تُستدعى عند الحاجة وتُهمَل عند تعارضها مع مصالح القوى الكبرى؟
في هذا السياق، لم يعد النظام الدولي منظومة قواعد ناظمة، بل بات مسرح قوة مفتوحاً، يُستخدم فيه القانون لغة انتقائية لا مرجعية ملزمة. سواء في الحالة الفنزويلية أو في حرب الإبادة الجارية على غزة، يتكرّس منطق واحد: القواعد لا تُنتهك لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تعد مُلزِمة للقوى التي تملك فائض القوة. وهنا يصبح تحميل المسؤولية الكاملة لإدارة ترامب تبسيطاً مخلّاً، فترامب لم يصنع هذا المسار بقدر ما نزع عنه أقنعته، ونطق علناً بما كان يُمارَس ضمنياً داخل السياق الأميركي–الغربي.
ما أقدم عليه ترامب فعلياً هو كسر الحاجز الرمزي الذي قام على تصور الولايات المتحدة قوةً تشرف على إدارة النظام الدولي، ليعلن، بوضوح غير مسبوق، أنها مستعدة لقيادة عملية تفكيكه إذا تعارض مع المصلحة الأميركية. وبهذا السلوك، لا تفرض واشنطن منطقها بالقوة فحسب، بل تقدّم نموذجاً يُغري قوى أخرى، صاعدة أو متمردة، بتقليد النهج ذاته.
الرسالة التي التقطتها الدول محدودة الثقل والقوة كانت واضحة وخطيرة في آن واحد: لا حماية خارج منطق الردع الذاتي. فمع تآكل فكرة الأمن الجماعي، تتجه هذه الدول إلى إعادة تعريف أمنها القومي على أساس التسلّح، والتحصّن، وبناء قدرات عسكرية واستخباراتية رادعة، لا بوصفها أدوات صراع، بل كشرط للبقاء. وهكذا يتقدّم هاجس منع التدخل الخارجي على أي أولويات تنموية أو دبلوماسية، ويصبح الاستثمار في القوة الصلبة بديلاً عن الثقة في النظام الدولي.
وبذلك، لا يُدفع العالم نحو الاستقرار، بل نحو تعددية صدامية، تتجاور فيها الكتل المتنافسة دون قواعد ضابطة، ودون ثقة متبادلة، حيث يصبح كل فاعل دولي مشروع تهديد محتمل، وكل دولة مضطرة للتصرّف وكأنها الهدف التالي، وهو ما قد يدفع بالدول النامية والصغيرة الى الانخراط في سباق التسلّح الذي تقوده القوة الكبرى منذ الحرب الروسية الأوكرانية من منطلق ان التسلّح خيار بنيوي لإدارة موازين القوى في النظام الدولي الذي فاقمت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته من هشاشته ومن الفراغ السياسي الذي يمر به.
فالمؤسسات الدولية التي أُنشئت عقب الحرب العالمية الثانية لضبط التوازنات ومنع الانزلاق نحو الحروب الكبرى، باتت اليوم عاجزة و مُهمَّشة عن حل وحسم اي صراع، وهذا ما قاد ولو جزئيا الى ما نشاهده اليوم، عالم يسلّح نفسه لأنه لم يعد يثق في الادوات الدبلوماسية، وفي القانون الدولي.
وهو ما يجعل من المسألة، في جوهرها، لا تتعلق بفنزويلا بحد ذاتها، بل بانحراف يجري تكريسه يهدد تماسك النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية ويدفعه الى مرحلة التفكك الفعلي. وفي هذا المسار، لا تبدو الولايات المتحدة قوة استقرار كما في الطرح الغربي، بل عاملاً مسرِّعا لصدام في عالم سيتجه ليكون أكثر تسلحاً، أكثر هشاشة، استعداد لهيمنة منطق القوة في العلاقات الدولة على حسات منطق القانون والدبلوماسية.
وهو ما قد يعيد للأذهان سياقات ما قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.وفي مثل هذه السياقات تصبح الدول وخاصة الضعيفة منها، امام خيارات محدودة على راسها التسلّح والتحصّن وإعادة تعريف الأمن القومي وهو ما قد يحول سباق التسلّح من خيار استراتيجي إلى شرط بقاء في ظل نظام دولي لا ضمانات فيه