غزة ونهاية وهم القيم الإنسانية المشتركة

كيف يمكن أن نفهم ما حصل ويحصل في فلسطين المحتلة وخاصة في غزة منذ سنة ونصف السنة؟

وكيف يمكن أن نفهم استمرار التصفية العرقية لشعب على مرأى ومسمع من جميع سكان المعمورة ؟

لقد تعرضت شعوب كثيرة للإبادة الجماعية، كحال جلّ الشعوب التي كان تسكن في ما أسماه الغرب بالعالم الجديد ، وقد حصل ذلك في فترة لم تكن تعرف سوى البطش الغاشم للغزاة وقبل ما يبدو انه ثورة أخلاقية وعلمية وتقنية .. حصل ذلك قبل العولمة الآنية للعالم وقبل المواثيق والمعاهدات الدولية والأجيال المتعاقبة لحقوق الانسان والشعوب والهيئات الدولة ومنظمات المجتمع المدني والصورة التي تصل الى كل أرجاء الأرض في لحظة واحدة .. أما الآن وبعد كل ما حصل كيف تسمح الدول الغربية القوية لنفسها ونخبها الوازنة بأن تحصل كل هذه المجازر وهذه الابادة من حليف لها تدّعي – بهتانا وزورا – انها تتقاسم معه قيم الحداثة والإنسانية!!

أوروبا تستعد اليوم كي تسلح نفسها توقيا من الخطر الروسي، وهي تقف شبه موحدة بين حكومات ونخب لرفض احتلال روسيا لأجزاء من الأراضي الأوكرانية وتعتبر أن هذا الاحتلال يهدد السلم العالمية ..

قد ننصت لهذا الموقف لو اعتبرت كل العواصم الغربية أن الاحتلال في المطلق مدان وانه يمثل خطرا على العالم كاحتلال كل فلسطين التاريخية والجولان السوري والعدوان الذي انتهك وينتهك سيادة جل بلدان الجوار .. روسيا تهدد أوروبا بينما «اسرائيل» حليفة بل هي «طليعة» الغرب وقيمه في مناطق «الاستبداد الشرقي» وهي في النهاية لا تهدد شعبا واحدا ذال بال!

صحيح أن هنالك أصوات حرّة في الغرب تندد بهذا العدوان الصهيوني الإبادي بمباركة وتواطئ حكوماتها ، لكن سرعان ما يتم تصنيف هذه الأصوات في خانة «معاداة السامية» وبالتالي تتم محاصرتها اعلاميا وسياسيا وحتى قضائيا كما يحصل الآن في فرنسا مع فرنسوا بيرقا عالم السياسة المختص في الحركات الاسلاموية ..

ما يحصل الآن في غزة يعرّي زيف ايديولوجية كونية حقوق الانسان بصفة نهائية ..

نقول ايديولوجية كونية حقوق الانسان لا حقوق الانسان ولا كونيتها وهذا يحتاج في رأينا الى توضيح مهم ..

هنالك مسألة جوهرية لابد من الوقوف عندها : فكرة حقوق الانسان وكونيتها ظهرت دون منازع مع فلاسفة العقد الاجتماعي وعصر الأنوار .. وهذا لا يعني بالطبع خلو كل حضارات العالم السابقة من قيم المساواة الانسانية ولكن لا مناص من الاعتراف بأن الفلاسفة الغربيين قد أعطوا لهذه الأفكار بعدا جديدا بإقرارهم بأن الانسان كفرد له حقوق طبيعية وأن كل الافراد متساوون في حالة الطبيعة (l’état de nature).

بغض النظر عن فرضية حالة الطبيعية وعن هذه المساواة التي تبدو للبعض شكلية ولا وجود لها في واقع الناس، تشمل حقوق الانسان كحقوق كونية جميع البشر بغض النظر عن العرق واللون والجنس والدين والثقافة وهي ثورة فلسفية وأخلاقية لا نظير لها في تاريخنا الحديث والمعاصر ..

لكن السؤال الذي لم يطرحه الغرب بصفة جدية على نفسه هو : من هو الانسان المقصود ؟ هل أنه الانسان المجرد الشامل لكامل الجنس البشري دون اي استثناء أم هو الانسان الاوروبي الأبيض؟

وهل أن حكومات كبريات الدول الغربية التي تدعي تَمثّل فلسفة حقوق الانسان هي فعلا صادقة في ذلك أم أن الانسان يقتصر عندها بالأساس على الجنس الآري(la race aryenne) المتفوق – بطبعه- على الأجناس الاخرى كما كان ذلك سائدا في أوروبا في – في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، فالنازية التي تريد أوروبا أن تتبرأ من كل تبعاتها نشأت في مناخ ثقافي كان يقرّ بالتمايز بين الاعراق وبعلوية العرق الآري، يكفي لذلك مراجعة قواميس نهاية القرن التاسع عشر حتى نرى نظرة أوروبا ونخبها المهيمنة لبقية «أعراق» الجنس البشري ..صحيح أن النازية موغلة في الاجرام والوحشية وانه تمت مقاومتها في أوروبا ذاتها، لكن النظرة الاستعلائية «السوفت» مازالت لها فلول وأنصار ..

دون هذا لا يمكن أن نفهم دفاع بعض النخب المهيمنة في أوروبا الى حد اليوم على الجانب «الايجابي» في الاستعمار..

في عالم ما يسمى بالجنوب الكلي (le sud global) يريد بعضهم أن يجعل حقوق الانسان والديمقراطية والحريات الفردية والجماعية عناصر من الهيمنة الايديولوجية الغربية وبالتالي يعملون على التخلص منها ويدعمون النظم الاستبدادية وأحيانا الدموية فقط لأنها تدعي مقاومة الهيمنة الغربية حتى لو فُرش هذا الادعاء بدماء وعذابات بنات وأبناء تلك الأوطان .

في الحقيقة لا توجد دولة قوية ،في الشرق، أو في الغرب ،في الشمال أو في الجنوب، ليست لديها نوايا هيمنية وتوسعية. ويخطئ من يعتقد أن القيم أو الأخلاق هي التي تحكم العلاقات بين الدول، لكن النضال ضد الهيمنة لا ينبغي أن يكون في سبيل هيمنة اخرى أيا كانت الدواعي .

فلسفة حقوق الانسان والشعوب – مع تنقيتها من كل الشوائب الأورو مركزية – هي العمود الفقري للنضال ضدّ كل اصناف الهيمنة أما الولاء لدول بعينها باعتبارها «أخلاقية» وتؤمن بالقيم الكونية فهو ولاء فقط لا غير ..

لقد أسقطت غزة كل مزاعم السياسة الدولية للدول الغربية وعرّت هيمنتها التي التحفت بايدولوجيا تدعي الدفاع عن حقوق الانسان.

غزة تدعونا أكثر من أي وقت مضى الى الدفاع عن حقوق الانسان والشعوب في غزة وفي كل شبر من هذه الأرض في الشمال وفي الجنوب كذلك، ضدّ الهيمنة الدولية وضدّ التسلط الداخلي ..

غزة الجريحة والشهيدة لا يمكن أن تكون ورقة التوت لأنصار النضال صفر مخاطر.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115