بعد هجوم إيران على الكيان الصهيوني: نحو توازن إقليمي جديد؟

في الثالث عشر من افريل الجاري اعلن التلفزيون الرسمي الايراني

عن انطلاق أول هجوم عسكري مباشر استهدف الكيان المحتل، وحمل اسم «الوعد الصادق». هجوم مثل حدثا سياسيا اكثر منه عسكريا رغم حجم الذخيرة المستخدمة، أكثر من 200 مسيرة و100 صاروخ باليستي، وقع اعترض جلّها واسقاطها قبل الوصول الى الاراضي المحتلة.

هجوم اعلنت القيادة السياسية والعسكرية الايرانية انه ردّ الجمهورية الاسلامية على استهداف قنصليتها في دمشق في بداية شهر افريل الجاري من قبل الاحتلال وقد توعدته بردّ اعنف اذا أعاد مهاجمة ايران بعد انتهاء عمليتها العسكرية التي يبدو انها حققت اهدافها السياسية والاستراتيجية رغم تصادم السرديات الراهن بين الشرق والغرب.

فالهجوم الذي اعلن عن بدايته عبر التلفاز ثم أعلن عن نهايته ببيان صادر يوم الأحد الفارط عن بعثة ايران في الامم المتحدة اعلن فيه بان الهجوم انتهى كما تضمن تاكيدات على انه حق مشروع في اطار حق الدفاع عن النفس الذي تكفله المادة/الفصل51 من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك ما اعلن عنه ايضا في اجتماع لمجلس الامن الدولي الذي ناقش الهجوم دون ان يصدر اي قرار او موقف رغم الادانة الغربية وخاصة منها الامريكية.

الجلي اليوم اننا ازاء وضع اقليمي مركب تتم ادارته وفق توازنات هشة لا يرغب احد في انهيارها خشية دفع المنطقة الى حرب اوسع ستنعكس باشكال عدة على العالم، وذلك ما يشرح الموقفين الامريكي والغربي اللذين اصطفا كالعادة الى جانب الكيان مع دعمه عسكريا باسقاط جلّ المسيرات والصواريخ مع رفض اي عمل عسكري مضاد.

رفض عبرت عنه ادارة بايدن بشكل صريح ومباشر. وقد ضغطت على حكومة الاحتلال لعدم القيام بعملية عسكرية سريعة ضد ايران وطالبتها بالتريث في الرد ودراسته، والقصد هنا تجنب اي تصعيد عسكري قد يجر المنطقة الى حرب اوسع.

الولايات المتحدة وادارتها وضعتا العملية العسكرية الايرانية في اطارها السياسي والاستراتيجي لا العسكري، خاصة وانها قد حدت من خطر الترساتة التي اطلقت، وهو ما يعنى انها فككت رسائل ايران واستوعبت ماهيتها بعيدا عن المشهدية السياسية التي تجتاح المنطقة.

الضربة العسكرية الايرانية التي رافقها زخم اعلامي غير مسبوق، لا فقط لكونها اول مواجهة مباشرة بين ايران والاحتلال الصهيوني بل لما رافق الضربة من تفاصيل وقع الاعلان عنها عبر التلفزيون ووقع تتبع احداثها عبر المنصات طوال رحلة المسيرات والصواريخ والتي دامت ساعات. بالاضافة الى مضمون التصريحات الصادرة عن المسؤوليين الايرانين ان الضربة لا تحمل اهدافا عسكرية كبرى، بل هي هي على النقيض من ذلك سعت الى تجنب حرب اوسع واكتفت بحملة «ردعية» حملت رسائل ودلالات استراتيجية تجلت في حرص القيادة الايرانية على الغاء عنصر المفاجأة بالاعلان المسبق والتنسيق عبر وسطاء مع الادارة الامريكية بشأنها لابلاغ رسالة اساسية مفادها ان الهجوم حتى وان كان كبيرا من حيث الكم الا انه محدود الأهداف والتاثير العسكري.

وهذا بدوره يكشف عن أن الهدف الرئيسي من الضربة اعادة رسم التوازن الاستراتيجي بين ايران والاحتلال واعادة ضبط قواعد الاشتباك التي يعتبر النظام الايراني ان الاحتلال الصهيوني قد تجاوز خطوطها الحمراء باستهداف مباشر لاراض ايرانية، مما دفعه الى الرد المباشر من الاراضي الايرانية.

استهداف مباشر قابله اخر محدود ومضبوط حمل رسالة مفادها ان الجيش الايراني له القدرة والامكانية على توجيه ضربات عسكرية دقيقة وهو ما حملته التصريحات والرسائل الدبلوماسية التي وجهت من قبل الايرانين للتحذير من اية خطوة تصعيدية تتجاوز اطار الاشتباك القديم، حتى لا يضطر الجيش الايراني الى اطلاق عملية عسكرية ضخمة.

هذا التهديد هو العنصر الاكثر جدية في الضربة، فالمسيرات والصورايخ التي استعملت في الضربة العسكرية هي من العتاد محدود التاثير والضرر في ترسانة الجيش الايراني حيث لم يقع استخدام اليات تتميز بتكنولوجيا متقدمة ودقيقة أو استخدم الصواريخ والقاذفات التي تتميز بسرعتها الفائقة وقدرتها على اصابة عمق الاحتلال في دقائق واقتصرت على استعمال عتاد أدى الهدف منه وهو نقل الرسالة.

كما تضمنت الرسالة تذكير الاحتلال والدول الداعمة له ان الذهاب الى خيار التصعيد والدخول في حرب واسعة مع ايران لن يؤثر سلبا فقط على الاحتلال بل على داعميه، خاصة وان الصورة الذهنية التي صاغها الاحتلال لنفسه كقوة عسكرية في المنطقة انهارت حينما اعتمد كليا على الحماية الدولية والإقليمية في صد الهجمة، كما كشفت عن ثغرات نظام الحماية الجوي المعتمد من قبله ومحدودية اثره اذا تعلق الامر بصواريخ ذات مدى واسع.

هنا نجحت ايران في ابراز مدى حاجة الاحتلال الى حماية غربية اذا قررت التصعيد العسكري ضدها، وهو ما لا يقتصر فقط على العمل العسكري بل كذلك على تسليح جيش الاحتلال الذي استنجد بجل قدراته الدفاعية للتصدي لهجوم محدود لم يحقق شيئا على المستوى العسكري الا انه مكن ايران من كسب نقاط وافضلية ظرفية في المنطقة.

بعيدا عن العملية العسكرية كشفت التحركات الدبلوماسية الغربية عن سعي هذه الاخيرة الى احتواء الامر والاستفادة منه سياسيا ودبلوماسيا ـ وذلك بعد اقناع الاحتلال والضغط عليه لعدم التصعيد ـ وبهذا تشكل مشهد اقليمي جديد سوقت فيه ايران على انها الشر المطلق لا الاحتلال، ولكن هذا ووجه بسردية مغايرة بعد ان اعتبرت روسيا في مجلس الامن ان اصل الازمة هو الاحتلال الصهيوني للاراضي الفلسطينية والحرب المستمرة في قطاع غزة وان الوضع المتوتر في المنطقة لا يعالج الا في هذا الاطار اي انهاء الاحتلال ووقف الحرب على قطاع غزة لا البحث عن تحالف جديد يعيد تسويق الاحتلال في الشرق الاوسط وفي العالم كقوة طبيعية في المنطقة.

تسويق سعت اليه الولايات المتحدة والاحتلال في الساعات الاولى وذلك ما كشف عنه الاعلام بالاشارة الى ان الاحتلال يطالب بان يقع تشكيل تحالف في المنطقة موجه ضد ايران يضم دولا عربية، وان هذا الخيار قد ينظر اليه على انه الرد المناسب مقابل امتناع الاحتلال عن الرد بهجوم عسكري اوسع.

تصور يدافع عنه الاحتلال وحكومته التي اجلت الاعلان عن موقف واضح لمجلس الحرب الي اليوم الثلاثاء في انتظار استكمال بحث الخيارات الممكنة للرد على الهجوم الايراني مع انتشار انباء عن الغاء قادة الاحتلال لاوامر بهجوم عسكري على اهداف ايرانية في اللحظات الاخيرة بعد الضغط الامريكي الذي يسعى الى منع اتساع دائرة الحرب وتصاعد التوتر في منطقة تعيش انظمتها وحكومتها على وقع احداث وسياسيات تشكل مستقبلها دون اي قدرة منها على فرض خيارات او تصورات خاصة بها

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115